يأتي صدور كتاب 'الاعتدال العنيد' للقيادي في حركة النهضة التونسية العجمي الوريمي، ليمثل محاولة جادة لترميم الذاكرة السياسية المهددة بالتشظي. فبالرغم من الحضور الطويل للحركة في المشهد التونسي منذ السبعينيات، إلا أن إنتاجها التوثيقي ظل محدوداً مقارنة بحجم تجربتها المعقدة.
يعتبر الكتاب أكثر من مجرد تجميع لمقالات ودراسات، بل هو أرشيف فكري يعيد تركيب صورة جيل كامل من الإسلاميين التونسيين. هؤلاء الذين تشكل وعيهم بين أروقة الجامعة وزنازين السجون، وصولاً إلى إكراهات الممارسة السياسية في الحكم.
يقدم أحمد عبد النبي، في تقديمه للكتاب، العجمي الوريمي بوصفه 'مثقفاً عضوياً' يتفاعل مع الواقع ويجعل من الفكر أداة للممارسة. فالكتاب يطمح لبناء 'سيرة ذهنية' لرجل تحرك طويلاً بين التنظيم والتأمل النظري في إدارة الصراع السياسي.
تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه يتيح قراءة تطور العقل السياسي الإسلامي من الداخل، بعيداً عن البيانات الرسمية الجامدة. فالنصوص المنشورة كتبت في لحظات تاريخية مختلفة، مما يسمح بتتبع التحولات الفكرية العميقة التي طرأت على الحركة.
يشير عنوان الكتاب 'الاعتدال العنيد' إلى رؤية سياسية تتجاوز السلوك الشخصي للكاتب، لتعبر عن منهج في التفكير. فالاعتدال هنا هو خيار واعٍ يرفض الإقصاء، بينما يمثل العناد تمسكاً بالخيارات الفكرية الكبرى رغم الضغوط والتحولات.
يعكس الكتاب كيف انتقلت حركة النهضة من مرحلة العمل الطلابي والصدام الأيديولوجي، إلى مواجهة الدولة ثم تجربة السجن الطويلة. هذا المسار يمنح القارئ فرصة نادرة لرؤية التعددية الداخلية والنقاشات الحقيقية حول إدارة الخلاف وآليات اتخاذ القرار.
💬 التعليقات (0)