كان القطاع المصرفي في قطاع غزة، رغم سنوات الحصار، أحد أكثر القطاعات قدرة على الحفاظ على تماسكه. فقد واصل أداء وظائفه الأساسية وحافظ على قدر من الاستقرار المالي وساهم في إبقاء حركة الأموال داخل السوق بعيدا عن توسع السوق السوداء.
لكن الحرب غيرت هذه المعادلة بصورة جذرية بعدما تعرضت البنوك والمؤسسات المصرفية لأضرار واسعة وأغلقت فروعها تباعا بسبب انعدام الأمان، ما ترك فراغا كبيرا في إدارة السيولة وحركة النقد.
مع غياب الفروع وصعوبة إدخال السيولة النقدية، انتقلت أجزاء واسعة من وظائف القطاع المصرفي إلى السوق غير الرسمية. وأصبح عدد محدود من تجار النقد يمتلكون كميات كبيرة من السيولة، ما منحهم قدرة واسعة على تحديد أسعار خدمات تحويل الأموال وسحبها.
ومن هنا ظهرت ظاهرة "التكييش" التي فرضت عمولات مرتفعة على المواطنين مقابل الحصول على النقد، قبل أن تظهر حاليا ظاهرة "الترصيد" مع اتساع الحاجة إلى التخلص من الكاش والعودة إلى المدفوعات الإلكترونية.
وتكشف أرقام الأمم المتحدة حجم هذه الأزمة؛ إذ بلغت عمولة سحب النقد في غزة نحو 11% في يونيو/حزيران 2026، وارتفعت إلى 50% وبعدما كانت 23% عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فيما تراجعت لاحقا واختفت تدريجيا. وبحلول سبتمبر/أيلول 2026، أفادت "أوتشا" بأن العمولة وصلت إلى صفر، وهو ما عكس شدة نقص السيولة وتراجع الطلب على النقد، وليس عودة القطاع المصرفي إلى وضعه الطبيعي.
ولعل المفارقة الاقتصادية هنا أن المشكلة لم تعد في نقص المال فقط وإنما في ارتفاع تكلفة الوصول إليه أو تحويله من شكل إلى آخر، وهذه التكلفة تستنزف دخول الأسر وتضيف عبئا جديدا على اقتصاد يعاني أصلا من تراجع النشاط والدخل.
التعليقات (0)