لم يعد الحديث الإسرائيلي عن السلطة الفلسطينية مجرد انتقاد لأدائها أو اعتراض على مواقفها السياسية، بل بدأ يأخذ منحى أكثر مباشرة وخطورة، عنوانه الانتقال من الضغط على السلطة إلى البحث في مستقبلها ووظيفتها وحدود وجودها، وما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أمام الحكومة الإسرائيلية بشأن استعداد الجيش لسيناريو حرب مع السلطة الفلسطينية يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز التصريح نفسه: هل نحن أمام تهديد عسكري ظرفي للسلطة، أم أمام إعادة تعريف إسرائيلية لمكانتها في النظام السياسي الفلسطيني؟
كاتس قال إن الجيش يستعد لاحتمال قيام عناصر من أجهزة الأمن الفلسطينية أو تنظيمات مرتبطة بها بتوجيه السلاح ضد المستوطنين والجيش، وإن إسرائيل ستشن في هذه الحالة حملة واسعة ضد السلطة، تشمل عمليات عسكرية في المدن والمخيمات واستهداف قيادات وتدمير بنى تعتبرها إسرائيل مسلحة،لكن المفارقة اللافتة أن مصادر عسكرية إسرائيلية قالت في المقابل إنه لا توجد معلومات استخبارية ملموسة تشير إلى أن أجهزة السلطة تخطط لمثل هذا السيناريو، وأن الأمر يتعلق بالاستعداد لسيناريوهات قصوى.
هذه المفارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تنقل النقاش من سؤال: هل ستندلع مواجهة بين إسرائيل والسلطة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبح سيناريو المواجهة مع السلطة نفسه جزءاً من الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي في هذه اللحظة؟
ففي سبتمبر الماضي، كان كاتس قد هدد بالفعل بـ«حرب شاملة» ضد السلطة في حال قيام أجهزتها، بحسب السيناريو الإسرائيلي، بهجوم شبيه بهجوم السابع من أكتوبر، وفي مطلع أكتوبر ذهب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أبعد من ذلك، عندما أعلن أن الضفة الغربية بأكملها تعود لإسرائيل، وهدد بتفكيك السلطة الفلسطينية إذا تولى وزارة الدفاع.
وعندما توضع هذه التصريحات جنباً إلى جنب، فإنها تكشف تحولاً في طبيعة الخطاب: السلطة لم تعد تُعرض فقط باعتبارها مؤسسة فلسطينية ينبغي الضغط عليها أو إصلاحها، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أمنية يمكن، في بعض السيناريوهات السياسية الإسرائيلية، إعادة تفكيكها.
لكن السؤال الأهم هو: إذا كانت إسرائيل تتحدث عن تفكيك السلطة، فما البديل الذي يجري بناؤه على الأرض؟هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التصريحات ضد السلطة، تتسارع أيضاً عملية إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، مشاريع الاستيطان والطرق وتوسيع البؤر والكتل الاستيطانية، وفي مقدمتها مشروع E1، لا تنتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية. فقد جرى الدفع بآليات مرتبطة بآلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة، بينما اقتربت مواعيد تقديم العطاءات من موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر،وهنا نصل إلى جوهر المسألة: إسرائيل لا تعيد تعريف السلطة فقط، وإنما تعيد تعريف المجال الذي يفترض أن تعمل فيه السلطة.
التعليقات (0)