بعد نقاشات كثيرة، وساعات من المُداولات في المحكمة، بلّغ رئيس المحكمة العليا القاضي يتسحاق عاميت، المرشّح عن "القائمة المشتركة" ورئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة، وطاقم دفاعه، بأنه توجد في طاقم القضاة الذي بحث شطب أبو شحادة أغلبية للمصادقة على شطبه ومنعه من الترشح.
ولذلك، يوصيه بسحب ملف الالتماس إلى المحكمة والانسحاب. وهو ما حصل فعلاً؛ إذ انسحب أبو شحادة من المنافسة، وذلك لتفادي دفع المحكمة العليا إلى كتابة قرار الشطب، وبالتالي إصدار قرار سيشكل سابقة قانونية، يستند إليها لاحقاً. هذا المسار-أي الشطب والذهاب إلى المحكمة العليا للبت فيه- ليس جديداً على القيادات السياسية التي تشارك في انتخابات الكنيست، وهو أقرب إلى تقليد ومسار معروف لكل نائب أو قائمة تترشّح. ويبدأ من لجنة سياسية في الكنيست، تتشكل من الأحزاب، وتصوّت على رفض ترشّح أحد المرشحين أو قائمة، ومن ثم يذهب الملف بصورة تلقائية إلى المحكمة العليا التي تلغي الشطب أو تُصادق عليه. ولأن هذه اللجنة سياسية وليست قانونية أو مهنية، فإن المحكمة العليا عادة ما تلغي الشطب وتسمح للمُرشّح بخوض الانتخابات، وهو ما حصل مع زملاء شحادة السابقين جميعهم، بدءاً من الرئيس السابق للحزب عزمي بشارة، مروراً بحنين زعبي وهبة يزبك، وصولاً إلى أبو شحادة. وفي هذه الانتخابات، شُطبت القوائم العربية كافة من جانب لجنة الانتخابات، وألغت المحكمة هذا الشطب باستثناء قضية ترشّح أبو شحادة طبعاً.[1]
تشكل قضية أبو شحادة نقطة مفصلية في هذا السياق على ثلاثة أصعدة: الأول، هو أن منع ترشّح أبو شحادة جاء بسبب مقال واحد، في الوقت الذي كانت تطلب المحكمة سابقاً سلسلة من المقولات والمنشورات والخطابات التي تشير إلى نهج لدى المرشح؛ والثاني هو التوقيت؛ إذ تأتي قضية أبو شحادة أمام القضاء في أول انتخابات تشهدها إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، وشكلت المرة الأولى التي يتوجب فيها على القضاء أن يحكم بحدود العمل السياسي للقيادات الفلسطينية في الداخل، وهو ما يُسمّى بالـ "هامش" الديمقراطي بعد قرابة الـ٣ أعوام من التحولات؛ وثالثاً، لأنها تشكل حلقة في مسار مستمر منذ قرابة عامين وبدء حرب الإبادة في قطاع غزة، وفيه يأتي القانون والقضاء ليثبّت واقعاً قائماً على الأرض، فيمنحه الشرعية القانونية ويصبغه ويمأسسه. فقد شهدت إسرائيل تحولات كبيرة جداً خلال حرب الإبادة، وتحريضاً منفلتاً وكبيراً على كل ما هو فلسطيني وعلى الأصعدة كافة، بدءاً من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وصولاً إلى تحول خطاب التهجير إلى جزء من البرامج السياسية، ليأتي القضاء والقانون بعدها، ويمأسس هذا التوجه عبر قرارات محاكم وقوانين. وقبل الخوض في قضية أبو شحادة، سيوضح المقال معنى "السابقة القضائية" في السياق الإسرائيلي، والدولة من دون دستور.
"السابقة القضائية" في دولة من دون دستور
شهدت مرحلة ما قبل ترشّح أبو شحادة نقاشاً حاداً في الإعلام وفي أواسط فلسطينيو 48 بشأن التوجه أصلاً إلى المحكمة العليا بعد قرار الشطب في لجنة الانتخابات؛ إذ شهدت المداولات في لجنة الانتخابات إجماعاً واسعاً على شطب أبو شحادة، وصلت إلى حد أن قام حزب "الديمقراطيون"، وهو أقصى اليسار الإسرائيلي، بدعم الشطب، كما شارك القاضي رئيس اللجنة الذي لا يصوّت عادةً ويترك القرار للأحزاب السياسية بالتصويت ودعم الشطب، وهو أمر نادر جداً، ولم يحصل منذ 20 عاماً. لذلك، كانت التقديرات تُشير إلى أن المحكمة ستصدر قرارها بالشطب، وكان النقاش بين الطرفين يدور بشأن التالي: إمّا التوجه إلى المحكمة العليا ودفعها إلى اتخاذ قرار وعدم الانسحاب من المعركة على الحق بالترشح، وإمّا قبول قرار اللجنة وعدم التوجه إلى المحكمة لمنع صدور قرار محكمة يثبّت الواقع السياسي والإجماع الصهيوني السياسي، ويمنحه بُعداً قانونياً؛ أي تثبيته. هذا النقاش بحد ذاته، مُهم لفهم مكانة الفلسطينيين في أراضي الـ 48 والتحولات على مكانتهم المُشتقة من كونهم "مواطنين" ويحملون الجنسية الإسرائيلية، خلافاً لسائر الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث الحكم ومنظومات السيطرة عسكرية، بحكم وجود حكم عسكري.
إن إسرائيل دولة من دون دستور ثابت، كما أنها مرحلة في مشروع استعماري غير مُكتمل، لم يحسم الصراع مع الفلسطينيين بصفتهم المستعمرين من جهة؛ ولم يحسم صراعاته الداخلية بشأن شكل الدولة من جهة أُخرى على عدة أصعدة، كعلاقة الدين بالدولة والتوازن بين السُلطات وغيرها من القضايا. وبدلاً من الدستور، تعتمد المحكمة العليا في قراراتها على مزيج من قوانين الأساس التي تتمتع بمكانة دستورية، ووثيقة إعلان الاستقلال من سنة 1948، فضلاً عن "السابقة القضائية"، وهي قرارات المحكمة العليا التي يصبح لها وزن وتأثير في المحاكم المركزية.[2] وسوياً، يشكل هذا في إسرائيل ما يُصطلح على تسميته الدستور قيد التشكّل. ولذلك، فإن إصدار قرار بشأن سامي أبو شحادة، بسبب مقالة واحدة، كان سيشكل سابقة قانونية، يكون لها تأثير في القرارات اللاحقة للمحكمة بشأن شطب مرشّحين آخرين، وأيضاً في المحاكم. ولذلك، كان سؤال التوجه إلى المحكمة العليا بحد ذاته، سؤالاً محورياً في النقاش قبل توصية المحكمة، وأيضاً أحد أهم الاعتبارات لدى المحكمة التي طلبت منه سحب الترشّح، لتمتنع عن إصدار حكم وتُريح ذاتها من وضع حجر في البناء الدستوري للدولة، وتحمّل مسؤولية الشطب أيضاً، بحيث سيؤثر أيضاً في مكانتها داخلياً وخارجياً.
التعليقات (0)