امتدت تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بمختلف مكوناتها، عشرات السنوات، وهي تجربة ثرية شكّلت تاريخًا مجيدًا للشعب الفلسطيني، وجسّدت إرادته في المقاومة والبقاء والصمود، وصاغت حركته الوطنية وكينونته السياسية، ودافعت عن استقلال قراره. إلا أن هذه التجربة كلها، بمشروعها الوطني وبرامجها وأدواتها ومرجعياتها الفكرية، باتت بحاجة إلى مراجعة نقدية تحدد مواضع القوة التي اكتسبتها، ومواضع الضعف والخلل التي انتابتها.
وتزداد أهمية النظر في تحولاتها ونحن نمرّ بمرحلة جديدة صعبة في نضال الشعب الفلسطيني، نحتاج فيها أن نستعيد مشروعنا الوطني، وأن نحدد بوضوح برامجنا السياسية، وأدوات النضال وأساليبه التي ينبغي توظيفها لتحقيق هدفنا في تحرير وطننا؛ بعد أن حلّت البرامج السياسية والأساليب النضالية محل المشروع الوطني، وبعد أن ترهّلت الحركة الوطنية وفصائلها، فصارت جزءًا من المشكلة البنيوية، وأضحت هي ذاتها بحاجة إلى مراجعة وتجديد وإعادة بناء. ويسعى الكاتب، في هذا المقال، إلى إثارة حوار جادّ وموضوعي بين النخب والمناضلين والمثقفين والشباب حول هذه القضايا، لعلّنا نفلح معًا في استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية من واقعها الراهن.
المشروع والبرنامج والأدوات
يُفترض في المشروع الوطني أن يتسم بالثبات، لأنه يتصل بالسردية التاريخية للشعب الفلسطيني، وحقه في وطنه كله، وأن يشكّل النقيض الكامل للرواية الصهيونية. والمشروع الوطني هو الذي يوحّد الشعب الفلسطيني في جميع مناطق وجوده (الأراضي المحتلة عام 1948، والضفة الغربية، وغزّة، والشتات)، في إطار وحدة الأرض والشعب والقضية، ويعبّر عن تطلعاته وآماله في تفكيك الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، وعن حقه في العودة والحرية والعدالة. وهو يفقد صفته مشروعًا وطنيًا للشعب الفلسطيني كله إذا كان تعبيرًا عن تطلعات جزء منه فحسب.
والبرنامج مكوّنٌ رئيسٌ في أي منظومة سياسية تستحق أن تُسمى مشروعًا وطنيًّا؛ ففيه تُرسى المبادئ العامة، وتُصاغ الأهداف، على نحوٍ يتيح وضع الاستراتيجية التي يمكن أن تُتّبع، لتحقيقها بناءً على معطيات الواقع والإمكانات الكامنة فيه. لكن التعريف يبقى منقوصًا، كما يشير عزمي بشارة بعمق في محاضرته “المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن” (الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين، 24 كانون الثاني/ يناير 2026)، إذا اقتصر على البرنامج ولم يشمل البنى التنظيمية، وحوامل البرنامج المؤهلة لادعاء أنها تمثل المشروع الوطني.
وإذا كان المشروع الوطني ثابتًا، فإن البرامج السياسية قابلة للتطور والتعديل والتغيير، بل قد تتعدّد، بحيث يكون ثمة برنامج رئيس يشمل الشعب الفلسطيني كله، ويكون بمنزلة الإطار الاستراتيجي، وبرامج فرعية تصبّ فيه؛ فبرنامج فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 في مواجهة الفصل العنصري وقانون القومية اليهودية، وبرنامج اللاجئين في التمسك بحق العودة ومقاومة التوطين، وبرنامج الصمود والمقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة في التصدي للاحتلال والضم والتهجير والإبادة الجماعية، كلها برامج ينبغي أن تتكامل في برنامج رئيس واحد، لا أن تتنافس معه أو تحلّ محله.
التعليقات (0)