f 𝕏 W
أزمة الهوية السياسية الفلسطينية.. ما بين وهم الدولة وعبء التحرر

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 13 د قراءة
زيارة المصدر ←

أزمة الهوية السياسية الفلسطينية.. ما بين وهم الدولة وعبء التحرر

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

ثمة لحظة في حياة الشعوب لا يكون فيها الخطر الحقيقي هو العدو وحدة، بل الغموض أيضاً. الغموض في تعريف الذات، في فهم المرحلة، وفي تحديد الوجهة. وهذه اللحظة، بكل صراحة، هي ما نعيشه اليوم في الحالة الفلسطينية.لسنا أمام أزمة أدوات بقدر ما نحن أمام أزمة تعريف: ما نحن؟ هل نحن دولة ذات سيادة؟ أم ما زلنا في مرحلة تحرر وطني؟ قد يبدو السؤال نظريًا، لكنه في الحقيقة سؤال عملي بامتياز، لأن كل خيار منهما يفرض سلوكًا مختلفًا، وأدوات مختلفة، بل وحتى عقلية مختلفة في إدارة الصراع.المشكلة لم تنشأ من غياب الإجابة، بل من محاولة الجمع بين إجابتين متناقضتين في آنٍ واحد. نحن نتحدث كدولة حين نطالب بالاعتراف الدولي، وندير المؤسسات، ونصرف الرواتب، ونبني العلاقات السياسية، لكننا في الوقت ذاته نتحدث كحركة تحرر حين نرفع خطاب المقاومة، ونؤكد على الصراع المفتوح، ونرفض الواقع القائم. هنا يكمن الخلل، لأن الدولة تحتاج إلى الاستقرار لكي تبني وتُراكم، بينما تحتاج حركة التحرر إلى حالة من القلق الدائم والصراع المفتوح لتفجير التناقض مع الواقع المفروض. وحين نحاول أن نكون الاثنين معًا دون وعي، فإننا لا نصبح أيًّا منهما.وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإن واقعنا أقرب إلى كيان سياسي ناقص السيادة يعيش تحت الاحتلال، ويحمل في داخله ازدواجية واضحة بين سلطة تُدير وحركة تحاول أن تُقاوم. وهذا التعريف ليس أمرًا ثانويًا، بل نقطة الانطلاق التي يتوقف عليها كل ما بعدها، وهو يمثل ضرورة حقيقية، لأن أي بناء فوق تعريف خاطئ، مهما بدا متماسكًا في ظاهره، سيكون عرضة للانهيار.المسار الحالي لا يعمل، ليس لأننا نفتقر إلى الإمكانات، بل لأننا نعيش حالة تناقض داخلي عميق؛ فنحن نريد مزايا الدولة دون أن ندفع كلفة السيادة التي سنتطرق إليها في الحلقة الثالثة، ونريد أدوات التحرر دون أن نتحمل كلفة المواجهة. وهذه معادلة غير ممكنة في الواقع. لذلك لم ننجح في بناء دولة حقيقية مكتملة، ولم ننجح أيضًا في إدارة مشروع تحرر وطني واضح المعالم، فكانت النتيجة استهلاكًا للزمن، وتآكلًا في الثقة، وضبابية مستمرة في الاتجاه.إذا أردنا الخروج من هذا المأزق، فإن الخيارات من حيث المبدأ واضحة، لكنها تتطلب شجاعة في الحسم. فهناك منطق يقود نحو التحول إلى مشروع دولة، يقوم على تثبيت الاعتراف الدولي وتحويله إلى قوة فعلية، وبناء مؤسسات حقيقية مستقلة، وتوحيد القرار والسلاح، مع الميل إلى تقليل منطق المواجهة المباشرة لصالح العمل السياسي والقانوني. وهذا المسار يمنح قدرة على التراكم الهادئ، لكنه يحمل خطر الانزلاق نحو إدارة مربع لا يحمد عقباه إن لم يكن مرتبطًا بهدف إنهائه.وفي المقابل، هناك منطق آخر يقوم على العودة إلى مشروع تحرر وطني صريح، يُعاد فيه تعريف المؤسسات باعتبارها أدوات نضالية، ويتم بناء مرجعية وطنية حقيقية تمثل الجميع، وتُوحّد أشكال النضال ضمن استراتيجية واحدة، مع التحرر من القيود التي تعيق الفعل. وهذا المسار يتميز بالوضوح، لكنه مكلف ويتطلب استعدادًا شاملاً على المستويات كافة.غير أن الواقعية لا تكمن في القفز الأعمى إلى أحد المسارين، بل في حسم التعريف أولًا، ثم توظيف الأدوات بذكاء. وبمعنى أدق، نحن ما زلنا في مرحلة تحرر وطني، لكن هذا لا يمنع من استخدام أدوات الدولة، لا باعتبارها حالة مكتملة نعيش وهمها، بل باعتبارها وسيلة من وسائل الصراع. فالدولة هنا لا تُفهم كغاية مكتملة، بل كأداة تخدم هدف التحرر، وهذا الطرح بمثابة طرح مركب للحالة الفلسطينية.هذا الفهم يفرض بالضرورة خطوات عملية تبدأ بإنهاء الضبابية رسميًا عبر الاعتراف بأننا ما زلنا تحت الاحتلال ولسنا دولة مكتملة، وتمر عبر ضرورة توحيد القرار السياسي، لأن الانقسام كفيل بإسقاط أي مشروع مهما كان صحيحًا في جوهره، وتصل إلى إعادة بناء مرجعية وطنية تعبّر عن الكل الفلسطيني لا عن جزء منه، وتنتهي بتوجيه كل الأدوات، من دبلوماسية وإعلام واقتصاد، بل وكل أشكال النضال، ضمن استراتيجية واحدة واضحة الهدف.في الخلاصة، المشكلة ليست أننا لا نملك طريقًا، بل أننا نقف في منتصف الطريق ونرفض أن نختار. فلا يمكن لشعب أن يصل وهو لا يعرف إلى أين يسير، ولا يمكن له أن ينتصر وهو لم يُعرّف معركته بعد. إما أن نكون دولة فنتصرف كدولة، أو نكون حركة تحرر فنُدير الصراع كما يجب، أما البقاء بينهما فليس سوى شكل من أشكال استنزاف الذات. فالأمم لا تنهزم فقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن تعريف نفسها.ومن هذا المنطلق، نجد أنفسنا أمام السؤال التالي: كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟.كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟ليست المشكلة الكبرى في أن يُفرض علينا واقع، فهذه سُنّة الصراعات عبر التاريخ، حيث يسعى الأقوى دائمًا إلى تشكيل المشهد بما يخدم مصالحه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الواقع المفروض من حالة نعيشها إلى حالة نؤمن بها، ومن ظرف مؤقت إلى مرجعية دائمة تضبط سلوكنا وتحدد سقف تفكيرنا.في الحالة الفلسطينية، لم يعد التحدي فقط في وجود احتلال يفرض معادلاته، بل في كيفية التعامل مع هذه المعادلات دون أن نتحول، عن وعي أو دون وعي، إلى جزء من تثبيتها. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد الرفض: كيف نتحرك داخل هذا الواقع دون أن نستسلم له؟الإجابة لا تكمن في الشعارات العالية، ولا في القفز فوق التعقيدات، بل في بناء قدرة حقيقية على التمييز بين "التكيّف الضروري" و"الاندماج الخطر". فليس كل تعامل مع الواقع استسلامًا، كما أن ليس كل رفض له مقاومة. الفارق بينهما دقيق، لكنه حاسم؛ إذ يمكن لشعب أن يتكيف مع ظروف قاهرة ليحافظ على بقائه، دون أن يمنحها شرعية، ويمكن في المقابل أن يرفع خطاب الرفض، بينما يمارس في سلوكه اليومي ما يكرّس هذا الواقع.من هنا، تصبح الخطوة الأولى هي إعادة تعريف العلاقة مع الواقع المفروض. نحن لا نتعامل معه باعتباره وضعًا طبيعيًا، ولا كقدر نهائي، بل كحالة مؤقتة تُدار بوعي، بهدف تقليص آثارها، لا التعايش معها كحقيقة مستقرة. هذا التحول في الفهم ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات، حيث لا يعود السؤال: كيف ننجح داخل هذا الواقع؟ بل يصبح: كيف نتحرك داخله دون أن نخدم استمراره؟هذا الفهم يقود بالضرورة إلى تقليل مساحات الاعتماد التي يُمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط. فالاحتلال لا يفرض سيطرته فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر شبكة معقدة من الارتباطات الاقتصادية والإدارية التي تجعل أي محاولة للتحرك مكلفة. لذلك، لا يكون التحرر هنا فعلًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تقوم على تقليل الهشاشة، وبناء بدائل ولو كانت صغيرة في بدايتها، لكنها تتراكم مع الوقت لتمنح هامشًا أوسع من القرار.وفي سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل أثر الانقسام في تكريس الواقع المفروض. غير أن تجاوزه لا يكون دائمًا عبر الاتفاقات الكبرى التي غالبًا ما تصطدم بتعقيدات السياسة، بل يمكن أن يبدأ من مساحات العمل المشتركة التي تفرض نفسها من خلال الحاجة. حين يلتقي المختلفون على هدف عملي محدد، ويحققون من خلاله نتائج ملموسة، فإنهم يخلقون شكلًا من أشكال الوحدة الوظيفية، التي قد تسبق الوحدة السياسية وتمهد لها.أما على مستوى أدوات الفعل، فإن محدودية التأثير الخارجي لا تعني غيابه الكامل، لكنها تعني أن التعويل عليه وحده لم يعد كافيًا. وهنا يصبح من الضروري إعادة توزيع الجهد، بحيث لا يبقى الضغط الدولي هو الرهان الأساسي، بل يتحول إلى جزء من منظومة أوسع تشمل بناء رواية ذكية قادرة على مخاطبة العالم، وتفعيل الأدوات القانونية بشكل تراكمي، والأهم من ذلك كله، إشراك المجتمع نفسه كفاعل حقيقي، لا كمتلقٍ سلبي للأحداث.غير أن أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو الانجرار إلى ردود الفعل. فالواقع المفروض غالبًا ما يُصاغ بطريقة تدفع الطرف الأضعف إلى التحرك ضمن إيقاع محدد، يجعله يستهلك طاقته دون أن يحقق أثرًا حقيقيًا. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المقصود، حيث يتم اختيار اللحظة، وتحديد الأداة، وربط كل خطوة بهدف واضح، بدل الاكتفاء بالاستجابة اللحظية للضغوط.وفي كل ذلك، يبقى الوعي هو الأساس. ليس الوعي بوصفه حالة معرفية مجردة، بل بوصفه قدرة على تفسير الواقع، وفهم آلياته، والتمييز بين ما يُفرض علينا وما نمنحه نحن من شرعية، لأن أي مشروع، مهما كان متماسكًا على مستوى الفكرة، لن يصمد إذا لم يجد حاضنة مجتمعية تدرك معناه وتؤمن بمساره.في النهاية، لا أحد يملك رفاهية انتظار تغير الظروف من تلقاء نفسها. فالواقع المفروض لا يزول لأنه مرفوض، بل يتراجع حين يُدار بوعي، وتُبنى في داخله مسارات تقلص من تأثيره، وتفتح تدريجيًا أفقًا مختلفًا.قد لا يكون الطريق سريعًا، وقد لا يحمل وعودًا بانفراج قريب، لكنه على الأقل طريق لا يُعيد إنتاج الأزمة، بل يعمل، بصمت وتراكم، على تفكيكها.وهذا، في حد ذاته، بداية حقيقية.السيادة المؤجلةليست كل دولة تُعلَن تُصبح دولة، وليست كل سيادة تُمنَح تتحقق على الأرض. في الحالة الفلسطينية، يبدو السؤال عن "إعلان الدولة" أكثر تعقيدًا من كونه خطوة سياسية، إذ يتحول إلى اختبار حقيقي للوعي: هل نحن أمام تتويج لنضال طويل، أم أمام قفزٍ فوق شروط الواقع؟لقد ترسّخ في الوعي الجمعي أن الدولة تمثل الغاية الطبيعية لأي حركة تحرر، وأن إعلانها يُعدّ انتصارًا بحد ذاته. غير أن هذا التصور على وجاهته الظاهرية يغفل حقيقة أكثر صلابة مفادها بأن الدولة ليست اسمًا، بل وظيفة؛ وليست اعترافًا، بل قدرة.من هنا، فإن الذهاب نحو تعريف الذات كـ"دولة" في السياق الفلسطيني، دون امتلاك أدوات السيادة الفعلية، قد لا يكون انتقالًا إلى الأمام، بل إعادة تموضع داخل قيدٍ جديد، أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.أول ما يُدفع ثمنه هو التحول في المكانة السياسية. فالحركة التي كانت تُخاطب العالم بوصفها حركة تحرر، تستند إلى سردية العدالة التاريخية، ستجد نفسها فجأة أمام منظومة دولية لا تعترف إلا بموازين القوة. وهنا، لا يعود السؤال: "هل قضيتك عادلة؟"، بل: "هل تلتزم بقواعد اللعبة؟". هذا التحول ليس شكليًا، بل يجرّد الخطاب الفلسطيني من جزءٍ مهم من زخمه الأخلاقي، ويضعه في موقع المساءلة بدل موقع المطالبة.أما على الصعيد الأمني، فإن السيادة تعني في جوهرها احتكار استخدام القوة داخل الإقليم. لكن ماذا يحدث عندما تُعلَن السيادة دون القدرة على فرض هذا الاحتكار؟ هنا يظهر التناقض الحاد: كيان يُطالَب بضبط السلاح، وهو لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض؛ وسلطة تُحاسَب على الأمن، بينما مفاتيح الجغرافيا ليست بيدها. النتيجة المحتملة ليست سيادة منقوصة فحسب، بل هشاشة داخلية قد تنزلق إلى صدامات أو فوضى مقنّعة.وفي البعد الاقتصادي، تتكشّف مفارقة أخرى. فالدولة بحكم تعريفها تحتاج إلى موارد مستقلة، وحدود قابلة للتحكم، وقدرة إنتاجية تضمن الحد الأدنى من الاكتفاء. لكن الاقتصاد الفلسطيني، في بنيته الحالية، ما يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، سواء عبر المعابر أو العمل أو تدفق السلع. وعليه، فإن إعلان الدولة دون فك هذا الارتباط، يحوّل السيادة إلى إطار شكلي، تُدار داخله تبعية فعلية، بتكلفة مالية وسياسية مرتفعة.ولا تقل الكلفة القانونية خطورة. فالدولة ليست فقط صاحبة حق، بل أيضًا طرف مُلزَم باتفاقيات كقضية هشام حرب (محمود العدرة) التي ليست عنا ببعيد، والدولة أيضاً طرف مُلَزم بمحاكم، وبمساءلة دولية. وفي بيئة غير متكافئة، قد تتحول هذه الالتزامات إلى أدوات ضغط، تُستخدم لتقييد القرار الفلسطيني بدل تمكينه.لكن الكلفة الأعمق والأقل نقاشًا هي الكلفة النفسية والاجتماعية. فبمجرد إعلان الدولة يرتفع سقف توقعات الناس: حياة أفضل، استقرار، كرامة يومية. وعندما تصطدم هذه التوقعات بواقعٍ محدود الإمكانيات، تتآكل الثقة، ويتحوّل الإنجاز الرمزي إلى مصدر إحباط. وهنا، لا تكون الخسارة سياسية فقط، بل معنوية أيضًا.مع ذلك، لا يمكن إنكار أن تأجيل تعريف الذات كدولة له كلفته كذلك. فهو يُبقي الحالة الفلسطينية في منطقة رمادية: لا هي حركة تحرر مكتملة الأدوات، ولا هي دولة مكتملة السيادة. وهذا الغموض ينعكس على الخطاب، وعلى الاستراتيجية، وعلى القدرة على بناء مشروع وطني واضح المعالم.من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: "هل نعلن الدولة؟"، بل: "هل نملك شروط السيادة؟".فالدولة التي تُعلَن قبل أوانها قد تتحول إلى قيدٍ جديد، يُكبّل الفعل السياسي بدل أن يحرّره.إن التحدي الفلسطيني اليوم ليس في اختيار التسمية، بل في بناء القدرة: قدرة على التحكم بالأرض، وعلى إدارة الموارد، وعلى فرض القرار. وعندها فقط، يصبح إعلان الدولة تتويجًا طبيعيًا لمسار نضالي، لا محاولة لتعويض نقصه.فالسيادة، في جوهرها، لا تُمنَح… بل تُمارَس.من عدالة القضية إلى عبء المسؤولية و التحول الصامتلطالما ارتكز الحضور الفلسطيني في الوعي الدولي على قاعدة أخلاقية صلبة: شعبٌ يطالب بحقه، وقضيةٌ تستند إلى مظلومية تاريخية واضحة. هذه المكانة لم تكن مجرد توصيف، بل كانت مصدر قوة ناعمة، منحت الفلسطينيين قدرة على مخاطبة العالم بلغة العدالة، لا بلغة القوة.غير أن هذا التموضع ليس ثابتًا بطبيعته، بل هو مشروط بالسياق الذي تُعرّف فيه الذات سياسيًا. وهنا تبدأ الإشكالية: ماذا يحدث عندما تنتقل الحالة الفلسطينية من كونها "صاحبة قضية" إلى "صاحبة مسؤولية"؟هذا التحول لا يُعلن رسميًا، لكنه يحدث تدريجيًا، وبآثاره العميقة.في الحالة الأولى، حين تكون "صاحب قضية"، فإنك تتحرك ضمن إطار أخلاقي؛ تُطالب، تُدين، تُحرّك الرأي العام، وتستند إلى سردية الحق في مواجهة الظلم. أما في الحالة الثانية، حين تصبح "صاحب مسؤولية"، فإنك تدخل في منظومة مختلفة تمامًا: منظومة الالتزامات، والتوازنات، والحسابات المعقّدة.لم يعد العالم يسألك: "ما الذي سُلب منك؟"بل يسألك: "كيف تُدير ما لديك؟"وهنا يكمن التحول الجوهري.عندما يُعاد تعريف الفلسطيني ولو جزئيًا كـ"كيان مسؤول"، فإن الخطاب الدولي يتغير تبعًا لذلك. تصبح الأولوية للاستقرار، لا للتحرر؛ وللإدارة، لا للمقاومة؛ ولضبط الواقع، لا لتغييره. وبهذا، تنتقل البوصلة من مساءلة الاحتلال إلى مساءلة الفلسطيني ذاته.الأخطر من ذلك، أن هذا التحول قد يحدث دون اكتمال شروطه. أي أن يُطلب من الفلسطيني أن يتصرف كدولة، بينما لا يملك أدوات الدولة. أن يُحاسب على الأمن، دون سيطرة كاملة على الأرض؛ وأن يُطالب بالازدهار الاقتصادي، دون سيادة على الموارد؛ وأن يُلزم بالقانون الدولي، دون حماية حقيقية من انتهاكاته.وهنا تتجلى المفارقة القاسية: يُحمَّل عبء المسؤولية، دون أن يُمنح حق السيادة.هذا الواقع لا يُنتج استقرارًا، بل يخلق توترًا دائمًا بين التوقعات والقدرة. فالشعب الذي اعتاد أن يرى نفسه في موقع المطالبة، يجد نفسه فجأة في موقع المساءلة. والقيادة التي كانت تُخاطب العالم بخطاب الحق، تصبح مطالبة بإدارة واقع معقّد، ضمن هوامش ضيقة.لكن، هل هذا التحول كله سلبي؟ليس بالضرورة.فالانتقال إلى موقع "المسؤولية" قد يحمل في طياته فرصة لبناء نموذج وطني أكثر نضجًا، قائم على الفعل لا على رد الفعل، وعلى المبادرة لا على الانتظار. لكنه، في المقابل، يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون هذا الانتقال نابعًا من امتلاك القدرة، لا مفروضًا بفعل الواقع أو الضغوط.لأن المسؤولية، حين تُفرَض دون أدوات، تتحول إلى عبء؛ وحين تُبنى على أساس هش، تتحول إلى أزمة.إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟فالقضية التي تفقد بعدها الأخلاقي، تخسر روحها؛ والمسؤولية التي تُحمَّل قبل أوانها، تفقد معناها.وبين الاثنين، يقف الفلسطيني أمام مفترق حاسم: إما أن يُعاد تعريفه وفق ما لا يملك، أو أن يُعيد تعريف نفسه وفق ما يسعى لامتلاكه، وبمعنى اخر إما أن تعيش وفق حدودك… أو وفق طموحك.———إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟

أزمة الهوية السياسية الفلسطينية.. ما بين وهم الدولة وعبء التحرر

الاسير المحرر رائد نزار عبدالجليل

المطران عطاالله حنا: رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)