تكشف أوضاع النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة عن نمط متكرر من العنف البنيوي الذي يتجاوز مجرد الخروقات الميدانية ليصل إلى جوهر المشروع الذي يسعى إلى تحويل الإنسان إلى كائن وظيفي قابل للاستبدال أو الإزالة فمع اقتراب فصل الشتاء يعيش مئات الآلاف في خيام مهترئة لا تقي بردا ولا مطرا وسط نقص حاد في الإمدادات الغذائية ومنع إدخال أي مأوى كريم أو كرفانات في ظل استمرار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول أكتوبر 2025.
ومن زاوية أخرى لا يمكن فهم هذه المأساة بوصفها نتيجة عرضية للحرب بل هي تعبير عن آلية منهجية تحول المكان نفسه إلى أداة للإخضاع تشير التقارير الميدانية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن أكثر من 60 بالمئة من الخيام أي نحو 162 ألف خيمة من أصل 270 ألف خيمة أصبحت مهترئة تماما وخارجة عن الخدمة بعد سنوات من التعرض للشمس والرياح والأمطار والتنقل القسري المتكرر يعيش نحو 15 إلى 176 مليون نازح في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وفق تقديرات اليونيسف ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا حيث يفتقر أكثر من 84 بالمئة من السكان إلى الحماية الكافية من البرد والفيضانات.
ولعل من المناسب أن نتأمل في دلالة الخيمة المهترئة ذاتها فهي ليست مجرد قطعة قماش بالية بل رمز لتجريد الإنسان من حقه في الاستقرار والكرامة الخيمة التي أقيمت كحل مؤقت لأيام أو أسابيع تحولت إلى منزل دائم لسنوات لا أبواب لها تغلق ولا نوافذ تفتح يتكدس فيها الأطفال والنساء والمرضى عرضة للقوارض والحشرات وتسرب المياه والبرد القارس وفي هذا السياق يحذر تقرير الأونروا من أن أكثر من 15 مليون نازح يعيشون في خيام قماشية وبلاستيكية ممزقة لم تعد صالحة للاستخدام البشري فيما سجلت اليونيسف وفيات أطفال بسبب انخفاض حرارة الجسم في الشتاء السابق.
وعلى النقيض من ذلك يرفض الاحتلال إدخال الكرفانات أو المنازل المؤقتة التي نص عليها الاتفاق أو دعت إليها المنظمات الدولية مكتفياً بالسماح بكميات محدودة من الشوادر والخيام التي لا تلبي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات وبناء على ذلك تتحول المعابر إلى أدوات للتحكم في وتيرة الحياة والموت حيث لم يدخل سوى نحو 35 بالمئة من الشاحنات المتفق عليها وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي مما يبقي المساعدات الغذائية عند مستويات لا تغطي سوى 25 إلى 30 بالمئة من الاحتياجات الأساسية.
وفي المقابل تستمر الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار سجلت السلطات في غزة أكثر من 5100 خرق منذ سريان الاتفاق أسفرت عن سقوط أكثر من 1400 شهيد وآلاف الجرحى بما في ذلك استهداف مباشر لخيام النازحين في مناطق متعددة وتشير المعطيات إلى أن هذه الخروقات ليست استثناءات فردية بل جزءا من سياسة ممنهجة تبقي السكان في حالة نزوح دائم وترهيب مستمر تحول دون أي محاولة لاستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
ولتوضيح ذلك يكفي النظر إلى شهادات النازحين الذين يناشدون العالم بشعارات تقول خيامنا ممزقة وبطوننا فارغة لا تتركونا للمجهول ومن هذا المنطلق يكشف المشهد عن تناقض صارخ بين الخطاب الدولي عن التهدئة والواقع على الأرض الذي يفرض شروطاً تجعل الشتاء المقبل أكثر فتكاً من سابقه.
التعليقات (0)