في روايته "الوصمة البشرية"، يروي الكاتب الأمريكي فيليب روث حكاية ليستر فارلي، محارب عائد من فيتنام منذ أكثر من 20 سنة، ولا يزال يعاني من آثار الحرب التي لم تنته بعد داخله.
كان ليستر قبل فيتنام شابا اجتماعيا مقبلا على الحياة، وبات بعدها شخصا مسكونا بالغضب والعنف؛ عدوانيا يمتد أذاه إلى أقرب الناس إليه، عاجزا عن استعادة حياته السابقة، كأنه أحد قتلى تلك الحرب وهو الوحيد الذي لم يعرف بموته. كان روث يبني مسار ليستر كله على مفارقة واحدة: حين انتهت الحرب التي خاضها في الخارج، لم تنته حاجته النفسية إلى الحرب. وحين لم يجد ساحة قتال يعود إليها، صنع ساحة أخرى داخل عالمه الخاص؛ آخذا حربه إلى الوطن. هذه الفكرة تحديدا ستتبعها المؤرخة الأمريكية كاثلين بيلو، في كتابها "اجلب الحرب للوطن"، بعد نحو عقدين على صدور الرواية، لتثبت أن ما كتبه روث لم يكن خيالا صرفا. إذ ترصد بيلو كيف عاد جزء من محاربي فيتنام إلى الولايات المتحدة وهم يحملون معهم خبرات القتال والإحساس بالهزيمة والخيانة، مع شبكات وعقليات تشكلت في الحرب، وكيف أصبح بعضهم جزءا من حركة "القوة البيضاء" والميليشيات المسلحة التي نقلت لغة الحرب وتنظيمها إلى الداخل الأمريكي.
فأطروحة بيلو تقوم على أن الحرب لا يمكن دائما حبسها في زمانها ومكانها. فقد تنتهي رسميا في الخارج، بينما تستمر آثارها السياسية والاجتماعية والعنيفة داخل المجتمع الذي خاضها.
وبالفعل، تحولت قطاعات من حركة "القوة البيضاء"، خلال الثمانينيات، من العنف العنصري إلى تصور ثوري يعلن الحرب على الحكومة الفيدرالية ويعتمد خلايا مسلحة مستقلة. ولم يبق العنف موجها إلى الدولة وحدها، فسرعان ما طال معارضين ومدنيين، وظهرت خطط لتفجير منشآت وتسميم مصادر مياه، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته في تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995، الذي قتل 168 شخصا بينهم 19 طفلا. وهكذا، انتهى البحث عن نفوذ في الخارج إلى تحويل المجتمع نفسه إلى ساحة قتال؛ ما يمنح فكرة بيلو معناها الأشد وضوحا: حين تعود الحرب إلى الوطن، لا تعود دائما وهي تعرف أين ينتهي العدو ويبدأ الصديق.
أكثر من 13 ألف كيلومتر تفصل نيويورك عن هانوي. ومع ذلك، لم تمنع المسافة انتقال خبرات الحرب إلى الداخل الأمريكي. فماذا يحدث حقا حين تدور الحرب على تخوم المجتمع نفسه، وحين يعبر أبناؤه باستمرار بين الحياة المدنية والخدمة العسكرية؟ مع اختلاف السياقين، يكتسب السؤال خصوصية في إسرائيل، حيث يُستدعى جنود الاحتياط من الجامعات والمصانع والمكاتب، ثم يعودون إليها بعد القتال.
فالمجتمع هنا يمد الجيش بأفراده وأفكاره وانقساماته، فيما تعيد الحرب تشكيل تجارب هؤلاء وتصوراتهم، لتعود آثارها معهم إلى المؤسسات والعلاقات التي خرجوا منها. ومن هنا يصبح ما جرى داخل الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية، في أعقاب الطوفان، نافذة على تحولات أوسع أصابت المجتمع الذي يقف خلفه.
التعليقات (0)