قبل أيام قابلت جارتي التي أعرف أنها من قرّاء الصحيفة الألمانية الأسبوعية (دي تسايت)، حييتها فردت بابتسامة. قلت: هل تصفحت العدد الأخير؟. فردت: بالطبع. سألت: هل لفت انتباهك شيء خارج عن المألوف؟ فردت: لا. فقلت: (دي تسايت) تقدم الآن خدمة خاصة للقرّاء تمكنهم من البحث عن الماضي النازي لعوائلهم؟ فابتسمت من جديد وعلى الأغلب، عرفت ما أريد فقالت "أنظر.. مقارنة مع عائلات ألمانية أخرى، نحن نعرف تاريخ عائلتنا جيدا ونعرف أنها كانت منقسمة كسائر العائلات الألمانية حينها. والدي رفض حتى حضور زفاف أخيه لأنه كان عضوا في الحزب النازي وكان لا يتردد في وصمه بالشتيمة المتداولة "الخنزير النازي" في حين كان أقارب آخرون لا يبالون بالجهر بانتمائهم لهذا الحزب، بل كانوا في بعض الأحيان يفاخرون بذلك".
هذا الانقسام الحاد في عائلة جارتي ليس حالة خاصة، بل شمل معظم العائلات الألمانية على حد قول المؤرخ فرانك بايور "عائلتي كانت منقسمة أيضا وبقيت كذلك حتى بعد عام 1945 (نهاية الحرب العالمية الثانية) ولم أكتشف عدد أخوة وأخوات جدي إلا من خلال صورة لحفل زفاف أحد الأقرباء البعيدين. تبيّن لي لاحقا أن الأقرباء الذين كانوا مرتبطين بالنازية التحقوا بعد الحرب بأجهزة الشرطة والمخابرات بألمانيا الشرقية، في حين اختار أقارب كانوا أثناء الحقبة النازية يساريين التخصص في العلوم الإنسانية".
ولكن ما الذي يدفع هذه الصحيفة إلى نبش الماضي بهذه الطريقة؟ ألا يشكل ذلك خطرا على تماسك عصب المجتمع ـ العائلة ـ في هذه الأوقات المضطربة ويدخل أفراد البيت الواحد في نقاشات أخلاقية راكدة حول الماضي الأسود لألمانيا؟ ألا يقول المثل الألماني "لا توقظ الكلاب النائمة"؟.
تنقل الصحيفة عن المؤرخ بايور قوله إنه من المتوقع أن ينتج عن هذه النقاشات تهويل أو إثارة إعلامية وربما يتباهى بعض اليمينيين المتطرفين في السوشال ميديا بتاريخ أجدادهم النازيين، لكن الفوائد التي سيحققها هذا الانفتاح أكبر بكثير من الآثار الجانبية وإذا كانت هذه الخطوة ستثير نقاشا في الرأي العام، فذلك أمر مرحب به.
بغض النظر عن هذه الأسئلة وغيرها، يبدو أن صحيفة (دي تسايت) سبقت وسائل إعلامية كبيرة أخرى إلى تقديم هذه الخدمة لقرّائها لأن أصل هذه القصة هو إفراج الأرشيف الوطني الأمريكي في مارس/آذار الماضي عن 10 ملايين بطاقة عضوية مرقمنة في الحزب النازي الألماني ونشرها في الإنترنت.
ومنذ ذلك الحين سجل الموقع بحسب وسائل إعلامية متطابقة أكثر من مليون زيارة، لأن نشر هذه البطاقات حفز الناس على البحث عن أقاربهم وعلى مقارنة "الاكتشافات الجديدة" بروايات وتساؤلات تناقلوها عن آبائهم وأجدادهم. ويحاول بعضهم الإجابة عن تساؤل "هل كان جدي نازيا؟ وهل انضم إلى الحزب النازي عن قناعة أم أنه أجبر على ذلك؟"
💬 التعليقات (0)