أعادت الانتخابات المغربية لعام 2026 ترتيب مواقع القوى السياسية داخل مجلس النواب، لكنها لم تؤد إلى توسع مماثل في قاعدة المشاركة السياسية. وبين صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى، والتراجع الكبير للتجمع الوطني للأحرار، والعودة اللافتة لحزب العدالة والتنمية، برزت خريطة حزبية جديدة لا يمكن تفسيرها بعدد المقاعد وحده، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها حجم الأصوات، وقوة التنظيم، والجغرافيا الانتخابية، ونفوذ المرشحين محليا، والقواعد التي تحكم تحويل الأصوات إلى مقاعد.
وتتناول الورقة البحثية "تشريعيات المغرب 2026، دلالات النتائج وإعادة تشكيل المشهد السياسي"، لـ عبد الرفيع زعنون، الباحث المشارك بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، هذه التحولات من خلال سؤال يتجاوز تحديد الفائز في اقتراع 23 سبتمبر/أيلول 2026، إلى البحث في طبيعة التغيير الذي أصاب موازين القوة، هل أعادت الانتخابات ترتيب مواقع الأحزاب فقط، أم امتد أثرها إلى آليات إنتاج القوة الانتخابية وتحويلها إلى تمثيل برلماني وقدرة على بناء التحالفات والتأثير في القرار السياسي؟
وجاء الاقتراع في سياق سياسي واجتماعي اتسم بمفارقة بين توسع استحقاقات "الدولة الاجتماعية" وتسارع المشروعات الاستثمارية الكبرى من ناحية، وضغوط القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العامة من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الحكومة السابقة استندت إلى أغلبية برلمانية واسعة وفرت لها استقرارا عدديا، فإن هذا الامتداد داخل المؤسسات لم يقابله حضور اجتماعي مماثل، في ظل تحديات تتعلق بقدرة الأحزاب على تجديد أدوات التأطير والوساطة وبناء علاقات أكثر استقرارا مع الفئات الاجتماعية المختلفة، ولاسيما الشباب.
لم تحدث انتخابات 2026 قطيعة مع الهندسة الانتخابية التي استقرت منذ اقتراع 2021؛ فقد استمر نظام التمثيل النسبي وإلغاء العتبة واحتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدلا من المصوتين، مع توزيع المقاعد المتبقية وفقا لقاعدة أكبر البقايا. وأسهمت هذه القواعد في توسيع التمثيل الحزبي والحد من احتكار القوى الكبرى للمقاعد، لكنها زادت أيضا حدة التنافس على المرشحين أصحاب النفوذ المحلي، حتى أصبح انتقال المنتخبين بين الأحزاب أحد موضوعات السجال الانتخابي.
وظل مجلس النواب مكونا من 395 عضوا، منهم 305 أعضاء عن الدوائر المحلية و90 عن الدوائر الجهوية المخصصة للنساء. واتجهت إصلاحات 2026 كذلك إلى تسهيل دخول الشباب إلى المنافسة، ولاسيما بعد أن أعادت احتجاجات جيل "زد" مطالب هذه الفئة إلى الواجهة. وسهلت شروط الترشح المستقل لمن تقل أعمارهم عن 35 عاما، مع اشتراط 200 توقيع على الأقل عن كل مقعد مخصص للدائرة، فضلا عن دعم مالي يصل إلى نحو 75% من مصاريف الحملات الشبابية المستوفية للشروط القانونية. كما توسعت حالات عدم الأهلية المرتبطة بالجرائم الماسة بنزاهة الانتخابات، وارتفع سقف مصاريف الحملة إلى 600 ألف درهم مع تشديد متطلبات التصريح بالإنفاق ومراقبة التمويل.
وفرضت البطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية نفسها على البرامج الانتخابية، لكن الحضور المكثف لهذه القضايا لم ينتج اختلافا جوهريا بين أحزاب الأغلبية السابقة حول الاتجاهات العامة للسياسات. فقد تقاطعت برامجها حول ترسيخ الدولة الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، وتحفيز الاستثمار والتشغيل، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، واستكمال المنشآت المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
التعليقات (0)