لم يكن طوفان الأقصى حدثًا عابرًا، ولا تبدو آثاره محصورة في قطاع غزة أو في النتائج المباشرة للحرب، بل فتح منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مسارًا من التحولات التي يتوقع أن يمتد تأثيرها لعقود. ومع استمرار الحرب وتراكم تداعياتها، بدأت تظهر مؤشرات على تغيرات تتجاوز الميدان العسكري، لتطال صورة إسرائيل ومكانتها السياسية والدبلوماسية، وتعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش العالمي.
وسيكون لطوفان الأقصى أثر استراتيجي على إسرائيل، وعلى المعادلات الإقليمية والدولية المحيطة بها، وإن كانت الصورة الكاملة لهذه التحولات لم تتضح بعد. فالأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بما تخلّفه من نتائج مباشرة، وإنما بما تحدثه من تغيرات في الوعي والمواقف والسياسات، وهو ما يجعل من المبكر الحديث عن نهاية تأثير هذا الحدث أو حصر نتائجه في سنوات الحرب.
وإن كان للعزة والكرامة والصمود والإصرار عنوان، فهو غزة. فقد دفعت المدينة ثمنًا إنسانيًا هائلًا، مع سقوط عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وإصابة أعداد كبيرة، فضلًا عن المفقودين والمهجرين، في واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الفلسطيني الحديث. ومع ذلك، لم تتوقف الحياة؛ ففي قلب القصف والخيام والمستشفيات المدمرة، وُلد أطفال جدد، لتبقى غزة متمسكة بالحياة رغم كل ما يُفرض عليها من موت ودمار. هذه غزة؛ يُراد لها الموت، فتصرّ على الحياة.
وبالتوازي مع الكلفة الإنسانية الهائلة، بدأت تظهر واحدة من أبرز النتائج الاستراتيجية للحرب، والمتمثلة في التراجع الكبير لصورة إسرائيل ومصداقيتها ومكانتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. ولم يعد هذا التراجع مجرد موقف عابر مرتبط بالمشاهد اليومية للحرب، بل بات يظهر في استطلاعات الرأي، وفي النقاشات السياسية والإعلامية، وفي مواقف مؤسسات وشخصيات عامة حول العالم.
ويبرز هذا التحول بصورة واضحة في الولايات المتحدة، الحليف الأهم لإسرائيل، حيث شهد الرأي العام تغيرات ملحوظة، خصوصًا بين الأجيال الشابة. ولم يعد التأييد التقليدي لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي يبدو ثابتًا كما كان في السابق، وهو تحول تزداد أهميته بالنظر إلى أن الأجيال التي يتغير موقفها اليوم ستكون جزءًا من صناعة السياسة والإعلام والرأي العام في المستقبل.
ولم يقتصر التغير على الولايات المتحدة، بل امتد إلى مجتمعات غربية عدة، مع اتساع النظرة السلبية تجاه إسرائيل وتراجع صورتها لدى قطاعات واسعة من الجمهور. والأهم أن انتقاد إسرائيل وسياساتها أصبح أكثر حضورًا في المجال العام الغربي، بعد أن كان التعامل معه لسنوات طويلة شديد الحساسية سياسيًا وإعلاميًا.
التعليقات (0)