الأحد 04 أكتوبر 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس
ما إن يطل موسم قطف الزيتون في فلسطين حتى تستعيد الارض صوتها القديم، فتفتح القرى ابوابها، وتخرج العائلات الى الحقول، وتعود الايدي الى الاغصان التي عرفتها منذ الطفولة، وكأن كل موسم هو موعد بين الفلسطيني وأرضه، موعد لا تؤجله الحواجز ولا تخيفه البنادق.فالزيتون في فلسطين ليس شجراً يزرع ثم يثمر، بل هو ذاكرة مغروسة في التراب، متكأ الجد حين كان يستريح تحت اغصانها، ويد الأب حين كانت تداعب أغصانها، ونشيد الام وهي تملأ جرار الزيت، ففي كل شجرة حكاية بيت، وفي كل جذع عمر إنسان، وفي كل حبة شيء من هذه البلاد التي ورثها الابناء كما يرثون الاسم والذاكرة، ولهذا لم تكن الزيتونة بعيدة عن عين الاحتلال ومستوطنيه، فكلما ازدادت جذورا في الارض، ازدادت رغبتهم في اقتلاعها، لا لأنها شجرة مثمرة فحسب، بل لأنها شاهد حي على شعب لم يغادر حكايته.ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح شجرة الزيتون هدفا لأولئك العابرين، ولكل من يريد طمس ملامح المكان وتغيير وجهه، فحين تقتلع شجرة، لا تسقط أغصانها وحدها، بل يسقط معها تاريخ عائلة، وذاكرة شعب، وسنوات من التعب والصبر، وحين تحرق، لا تحترق الأشجار وحدها، بل تحترق معها مواسم كاملة من الفرح وذكريات من عاشوا تحت ظلالها او سقطوا فوق ترابها.من يعرف الفلسطيني يعرف أيضاً أن الشجرة التي تقتلع لا تنتهي عند جذورها، فالفلسطيني ليس صاحب أرض لأنه يملك كوشاناً فقط، بل لأنه عاش فيها، وزرعها، وسقاها، ودفن أحباءه عند جذورها، او ترك ابناءه يركضون بين اشجارها، فالأرض عنده ليست عقاراً، والزيتون ليس محصولا، والوطن ليس عنوانا، انها عقيدة البقاء في وجه التطهير العرقي البطيء.قد يقتلعون شجرة، وقد يحرقون حقلاً، وقد يغلقون طريقا، لكنهم لا يستطيعون قطع الرابط يمتد بين الانسان والارض، يعبر من جيل الى جيل. فما دام هناك فلسطيني يأوي الى ظل زيتونته، ويزرع شجرة مكان اخرى سقطت، كما تنجب الأم أخاً لابنها الشهيد، ويحمل ابنه الى الحقل كما حمله ابوه ذات يوم، فالحكاية لم تنته، انها تكاد تبدأ من جديد، بإرادة لا تليق بها الهزيمة.فالزيتونة في فلسطين ليست شجرة فقط، إنها الوطن حين يصبح جذرا، والذاكرة حين تصبح ثمرا، والبقاء حين يتحول فعلا، هي حكاية ارض تعرف اهلها، واهل لا يعرفون وطنا سواها، هي يد الجد التي غرستها، ويد الاب التي رعتها، ويد الابن التي تمتد اليوم إلى أغصانها، لتقول إن ما غرسناه بالحب لن تقتلعونه بالقوة، وما ورثناه جيلا بعد جيل لن تمحوه النار ولا الجرافات، وما حفظناه في الذاكرة سيبقى حاضراً في كل زيتونة، وفي كل نقطة زيت، في ورقها الأخضر وترابها الأسمر.وستبقى الأرض، مهما اشتد بها الوجع، تعرف أهلها كما تعرف الزيتونة جذورها، وتنتظر أن يعود إليها ظلها، لتشرق من بين أغصانها شمس الحرية.
الزيتون.. حين يصير الوطن شجراً!
حمزة البشتاوي- كاتب وإعلامي
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)