الأحد 04 أكتوبر 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس
في أكثر من بلدة ومدينة في بلادنا وصلت منحة دولية لتمويل شبكة صرف صحي جديدة. تحفر الخنادق، وتُمدّ الأنابيب، وتُقام محطة معالجة صغيرة، ويُعلَن المشروع منجزاً في حفل افتتاح يلتقط فييها الوزير صوره بجانب مضخة جديدة تم شراؤها من اوروبا. لكن بعد سنة أو سنتين، تكتشف البلدية أن الشبكة الجديدة تصبّ في نظام تصريف قديم لا يستوعبها، أو أن محطة المعالجة تعمل بلا صيانة لأن أحداً لم يخصّص موازنة تشغيلية لها بعد انتهاء التمويل الخارجي. المال وصل، والأنابيب مدفونة، لكن المنظومة لا تعمل كوحدة واحدة.في إحدى الحالات التي تابعتُها، كان الفارق بين استلام التمويل وبين اكتشاف أن المحطة تحتاج مصدر طاقة بديلًا لم يُدرَج أصلاً في الموازنة أقل من عام واحد. جهة التمويل مولت "مشروعاً"، والجهة المنفذة نفّذت "مشروعاً"، وكل طرف كان محقاً في حدود عقده. لكن أحداً لم يكن مسؤولاً عمّا يربط هذا المشروع بالمشروع الذي قبله أو الذي سيليه.وهنا يكمن العطب الحقيقي: ليس في ندرة المال، بل في الفراغ الذي بين المشاريع. فحين يُدار الإنفاق على البنية التحتية كسلسلة منح او مصروفات متفرقة، لا كخطة واحدة تتوالى مراحلها، يتحول كل مشروع ناجح في ذاته إلى جزيرة منعزلة داخل منظومة لا تعمل مجتمعة. هذا ما أسمّيه وهم الوفرة اللحظية: التصور بأن وصول تمويل كافٍ لمشروع بعينه يعادل وجود استراتيجية وطنية للقطاع، بينما الحقيقة أن التمويل قد يحل مشكلة نقطة واحدة على الخريطة دون أن يُنتج نظاماً متكاملاً يخدم القطاع ككل.ميّز هنري مينتزبرغ منذ عقود بين نوعين من الاستراتيجية: استراتيجية مقصودة تُبنى بتسلسل مرحلي واعٍ، واستراتيجية ناشئة تتشكّل كنتيجة تراكمية لقرارات منفصلة اتُّخذت بمعزل عن بعضها. معظم قطاع البنية التحتية عندنا يسير وفق النمط الثاني: استراتيجية تُكتب بأثر رجعي لتبرير ما حدث، لا خطة تحكم ما سيحدث.السويد تقدّم النموذج المضاد. لم تُعالِج شبكات الصرف الصحي فيها بدفعة مالية واحدة، بل ببناء مرحلي امتد قرابة قرن كامل: استجابة طارئة قصيرة الأمد لأوبئة الكوليرا في أواخر القرن التاسع عشر عبر مد شبكات مياه نظيفة، ثم تأطير مؤسسي متوسط الأمد حين أصبحت مسؤولية الصرف الصحي التزاماً بلدياً قانونياً مطلع القرن العشرين، ثم توسّع تقني طويل الأمد عبر أربعة أجيال متعاقبة من تقنيات المعالجة: ميكانيكية في الثلاثينيات، فبيولوجية في الخمسينيات، فكيميائية لإزالة الفوسفور في السبعينيات، فمعالجة متقدمة للنيتروجين في العقد الأخير من القرن الماضي. موّلت الدولة هذا المسار عبر منح مخصصة محصورة زمنياً بين عامي 1967 و1979 فقط، وأنشأت عام 1968 أول هيئة وطنية في العالم مكرّسة للحماية البيئية بمفهومها الشامل. والنتيجة اليوم: 95% من مياه الصرف تُعالَج بيولوجياً وكيميائياً معاً. لم يكن ذلك ثمرة موازنة واحدة، بل ثمرة أربع مراحل بُنيت كل منها على ما قبلها.السنغال، رغم إمكاناتها المالية المحدودة، طبّقت المنطق نفسه بموارد أقل بكثير: برنامج وطني واحد للمياه والصرف الصحي يُدار عبر هيئة مركزية، وتمويل دولي يُوجَّه دفعة تلو الأخرى إلى مناطق جغرافية محددة بدل تشتيته على مشاريع متفرقة. فحين موّل بنك التنمية لغرب أفريقيا مؤخراً مرحلة توطيد ضمن برنامج الصرف الصحي في عشر مدن سنغالية بقيمة 15 مليار فرنك أفريقي، كان ذلك تمويلاً لمرحلة محددة ضمن تسلسل معلوم مسبقاً، لا لمشروع منفرد يُبتكر له مبرر لاحقاً.والسؤال الذي يكشف غياب هذا المنطق عندنا بسيط: ما الذي يجب أن يُنجَز خلال عامين ليصبح أساساً لما بعده؟ وما الذي لا معنى لتنفيذه قبل اكتمال ما يسبقه؟ وما الجهة الوحيدة المخوّلة قانوناً بربط كل مرحلة بسابقتها ولاحقتها؟ حين تغيب الإجابة، يتحول كل تمويل جديد إلى بداية جديدة، لا إلى امتداد لما قبله.هذا بالضبط ما تعنيه الهندرة هنا: ليست المطالبة بتمويل أكبر، بل إعادة تصميم سلسلة القرار من جذورها كهيئة واحدة، ولاية زمنية واضحة، ومراحل مقيسة يبني بعضها على بعض بحيث تربط على الخطة الاستراتيجية القطاعية للبنية التحتية في الدولة. عندها فقط يتوقف الأنبوب عن أن يكون قطعة معدنية مدفونة بلا وجهة، بعد أن يكون غياب الميل الاستراتيجي قد تحوّل هو نفسه إلى انسداد تحت الأرض.
التخطيط الاستراتيجي القطاعي: الهندرة وتجربة السويد في تخطيط البنية التحتية
حمزة البشتاوي- كاتب وإعلامي
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)