الأحد 04 أكتوبر 2026 9:14 صباحًا - بتوقيت القدس
لا يُقاس الأمن الغذائي الفلسطيني بما يُحصد فحسب، بل بقدرة الأسر على الحصول على غذاء صحي وشرائه، وبقدرة المزارعين على بيع محاصيلهم بربح عادل قبل تلفها، وبحماية الأرض والمياه والعمل من الاستنزاف. وتكشف أزمة الانخفاض غير المعتاد في أسعار البندورة هذا الصيف خللاً في التخطيط؛ إذ هبط سعر الكرتونة إلى 7 شواكل (2.31 دولار)، فيما تبلغ تكلفة إنتاج كرتونة تزن 10 كيلوغرامات نحو 25 شيكلاً (8.24 دولار) (مزارع خبير من منطقة فروش بيت دجن، 2026). ويسهم غياب بيانات دقيقة عن الطلب، إلى جانب محدودية التخزين والتبريد والتصنيع، في دفع مزارعين كثر إلى زراعة المحصول نفسه في الوقت ذاته. ومن بين هؤلاء عمال فقدوا وظائفهم في إسرائيل واضطروا إلى العمل في الزراعة من دون خبرة كافية. والنتيجة هي فائض في المحاصيل، ومزيد من الهبوط في الأسعار، وتلف جزء من الإنتاج بعد الحصاد؛ ما يفاقم خسائر المزارعين ويزيد الفقر، ويضعف قدرة القطاع الزراعي على الصمود.في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طرحت وزارة الزراعة والأمن الغذائي الإسرائيلية مسودة استراتيجية لعام 2050، بميزانية تتراوح بين 3 و6 مليارات شيكل، تستهدف زيادة الإنتاج النباتي بنسبة 65% مقارنة بعام 2022. وتشمل زيادة إنتاج الخضروات من 1.34 إلى 2.88 مليون طن (115%)، والفواكه من 1.25 إلى 1.81 مليون طن (44%)، والحليب السائل من 1.69 إلى 2.57 مليون طن (52%)، لمواكبة نمو سكاني متوقع بنحو 6.5 مليون نسمة بحلول عام 2050، وخفض الفاقد الغذائي بنسبة 25–50%. وتقر الخطة باستيراد أكثر من 90% من الحبوب والأسماك، وأكثر من 80% من البقوليات والبذور الزيتية. ولا حاجة إلى استنساخ أهداف هذه الخطة فلسطينياً، بل ينبغي تبني نهج يربط الإنتاج بالطلب والمناخ والمخاطر وسلاسل الإمداد (وزارة الزراعة الإسرائيلية، 2026).تؤكد المؤشرات الفلسطينية إلحاجه الملحّة إلى التدخل. فقد أفادت منظمة الأغذية والزراعة، في ديسمبر/ كانون أول 2025، بأن أكثر من 72 ألف أسرة زراعية ورعوية في الضفة الغربية باتت بحاجة إلى مساعدة طارئة، بعد أن فقدت معظم دخلها الأساسي. ويأتي ذلك في ظل فقدان نحو 200 ألف عامل وظائفهم داخل الخط الأخضر، وما ترتب على ذلك من خسائر شهرية قُدّرت بنحو 1.25 مليار شيكل (342 مليون دولار) (الجزيرة نت، 2024). كما ارتفعت البطالة في الضفة الغربية من نحو 18% عام 2023 إلى 31% عام 2024، ثم بلغت نحو 28% عام 2025؛ فيما لم يتجاوز متوسط الأجر اليومي الحقيقي في الزراعة 79 شيكلاً (ما يعادل 26 دولاراً) (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ومنظمة العمل الدولية، 2025).وتتجلى هشاشة القطاع الرعوي أيضاً في سيطرة البؤر الاستيطانية الرعوية على 14% من مساحة الضفة الغربية. وفق تقديرات مايو/ أيار 2025، إذ اضطرت 95% من التجمعات المتأثرة إلى تصفية حيازاتها الحيوانية، فيما لجأ 71% منها إلى الاستدانة (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ أبو السعود وآخرون، 2026).ووفق بيانات الإحصاء الفلسطيني ووزارة الحكم المحلي لعام 2022، بلغ إنتاج النفايات الصلبة 1.7 مليون طن سنوياً؛ منها 1.1 مليون طن في الضفة الغربية و0.6 طن مليون في قطاع غزة، وشكّلت النفايات العضوية 46.4% من الإجمالي. وفي غزة، تجاوزت نسبة المواد العضوية 66% من أصل 1,726 طناً من النفايات يومياً، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2024). ورغم أن هذه الأرقام تتناول النفايات العامة ولا تقيس خسائر المحاصيل مباشرة، فإنها تبرز حجم الهدر في الموارد والحاجة إلى الحد من الفاقد الغذائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فمحدودية التخزين والتبريد، وتأخر النقل والتسويق، وغياب التصنيع السريع، كلها عوامل تعرّض المنتجات الطازجة للتلف بعد الحصاد، وتهدر معها المياه والجهد والدخل.إن فلسطين بحاجة ماسة إلى مرصد وطني للزراعة والأسواق، يبدأ بمرحلة تجريبية مركّزة على محصول سريع التأثر بفائض العرض، كالبندورة مثلاً، في محافظتين أو ثلاث، ويمكن أن يستند إلى سجل رقمي دقيق يتابع كميات الاشتال المطلوبة والأصناف المزروعة، وأعداد المزارعين، والمساحات المزروعة ومواقعها، ومواعيد الزراعة والحصاد. ويرتبط هذا المرصد بنظام للإنذار المبكر يربط بيانات الإنتاج بأسعار الجملة ومؤشرات الاستهلاك وتوقعات الطقس، بما يساعد على منع فائض العرض، إلى جانب تفعيل مسار فعّال لإنقاذ المحاصيل وتصنيعها فورا، عبر شبكة بلاغات سريعة توجّه المحاصيل الفائضة إلى مصانع التجفيف والتجميد، ومرافق التبريد، والجمعيات التعاونية العاملة في التصنيع، بعقود توريد مسبقة.تستدعي عودة العمال الذين فقدوا وظائفهم إلى القطاع الزراعي بعد أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023 اهتماماً خاصاً في مجالي الإرشاد والسياسات، إذ يدخل كثير من الوافدين الجدد إلى هذا القطاع من دون خبرة أو مهارات عملية كافية. وتشير تقديرات إلى ارتفاع الإقبال على الزراعة بنحو 30% بعد الحرب مقارنةً بما قبلها، وإلى تشييد أكثر من 7,000 بيت بلاستيكي. وقد رافق ذلك توسع في الزراعة المروية في مناطق عدة. ففي بلدتي بيت فوريك وبيت دجن بمحافظة نابلس، تضافرت الجهود المحلية والأهلية لإنشاء خط مياه ناقل بطول 5.2 كيلومتر، يخدم مساحة تتراوح بين 1,600 و3,000 دونم. وأسهم ذلك في إنشاء بيوت بلاستيكية على مساحة تجاوزت 150 دونماً في المرحلة الأولى، قبل أن تتوسع المساحة لتبلغ نحو 700 دونم حالياً، ما أتاح فرص عمل لمئات العمال. كما شهدت طوباس وعقابا وميثلون توسعّاً في البيوت البلاستيكية والزراعة المروية، فيما زُرع ما يصل إلى نحو 140 دونماً من الخضروات المروية في مناطق قريبة من بلدة الظاهرية بمحافظة الخليل (الجزيرة نت، 2024).ولضمان استدامة هذه المبادرات، لا يكفي تقديم المعلومات النظرية؛ بل ينبغي لخدمات الإرشاد الزراعي أن توفر تدريباً عملياً يعزز «الكفاءة الذاتية» لدى المزارعين الجدد، ويمكّنهم من اختيار المحاصيل، وإدارة المياه والآفات، والتعامل مع التحديات الهيكلية. وتزداد الحاجة إلى ذلك في ظل محدودية وصول الإرشاد الحكومي؛ إذ لا تُعّد وزارة الزراعة مصدراً رئيسياً للمعلومات إلا لدى 7.1% من المزارعين، بمعدل مرشد زراعي واحد لكل 578 مزارعاً (أبو السعود وآخرون، 2025). لذا تبرز أهمية اعتماد نماذج إرشادية هجينة ورقمية تتجاوز قيود الحركة وتوفر دعماً منتظماً، بدلاً من الاقتصار على ورش تقليدية متباعدة. كما ينبغي البناء على النتائج الإيجابية لمشروع «إيفاب»، المموّل من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) والمنفّذ من وزارة الزراعة، وتوسيع نطاقه؛ إذ مكّن المزارعين المستهدفين من دراسة السوق بأنفسهم، وتحديد المحاصيل والأصناف والمساحات الملائمة، وضبط مواعيد التوريد بما يتوافق مع متطلبات السوق.التخطيط الزراعي ليس مسالة ثانوية؛ بل ضرورة ملحة لحماية الدخل والحفاظ على الأرض وتعزيز الصمود. فعندما يستند قرار الزراعة إلى بيانات موثوقة وإرشاد فعّال، يتحول الإنتاج من مجازفة عشوائية إلى خيار مدروس، ويقلل من الهدر والخسائر المحتملة، ويجعل تسويق المحاصيل أكثر عدلاً. وفي فلسطين، يسهم تسويق المحاصيل في مواعيدها وبأسعار عادلة، والحفاظ على الأرض منتجه، في تعزيز الأمن الغذائي وسبل العيش، وترسيخ التمسك بالأرض. وهما ركيزتان أساسيتان للصمود، وخطوتان راسختان نحو حماية الأرض وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
الأمن الغذائي الفلسطيني: من عشوائية الإنتاج إلى صمودٍ قائم على التخطيط والبيانات
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس
صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
التعليقات (0)