f 𝕏 W
حبتا زيتون لا تكتبهما محاضر السجون

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

حبتا زيتون لا تكتبهما محاضر السجون

الأحد 04 أكتوبر 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

هناك تفاصيل صغيرة في كل حكاية جديرة بأن تُروى، حبتا زيتون في صحن أسير، ثماني حبات بدل ست، رقم صغير، يكاد لا يُرى، لكنه في مكان مثل سجن كتسيعوت المقام على أراضي النقب يصبح أكبر من مجرد فرق بين وجبتين.يقول بن غفير، بحسب ما رواه بنفسه، إنّ سجانا أرسل إليه صورة لوجبة أسير في السجن، ووجد أنّ في الصحن ثماني حبات زيتون بدلا من ست، لم يكتف بالاطلاع على الصورة، بل غادر بيته، وقطع قرابة ثلاث ساعات حتى وصل إلى السجن بسبب حبتين إضافيتين.ربما لا تكمن المفارقة في أنّ وزيرا في حكومة الاحتلال أشغله عدد حبات الزيتون، بل في أنّ سلطة احتلال كاملة وجدت في حبتين إضافيتين ما يستحق كل هذا الغضب.هنا يصبح السؤال أعمق من الزيتون: ماذا يحدث حين تتحول سلطة عسكرية من مراقبة حدود السجن إلى مراقبة حدود اللقمة؟السجن في معناه التقليدي، هو أن تُغلق الأبواب على جسد الإنسان، لكنّ السجن الذي نراه اليوم يريد أن يتسلل إلى التفاصيل التي يفترض أن تبقى للإنسان وحده: إلى نومه، وطعامه، وعطشه، ووقت استيقاظه، ومساحة جسده، وربما إلى عدد حبات الزيتون التي تقع أمامه.فالأسير لا يُعاقب هنا لأنه أكل، بل لأنّ ثمة من يريد أن يحدد له كم يأكل، وهذه ليست مسألة غذاء فقط، وإنما صورة مكثفة لعلاقة القوة العسكرية بالإنسان: حين تصبح اللقمة نفسها امتيازا تمنحه سلطة الاحتلال أو تمنعه، يتحول الطعام من حاجة بشرية إلى أداة سيطرة.في السجون قد تُغلق الأبواب، وتُسحب الحرية، وتُراقب الحركة، لكن أكثر ما يكشف طبيعة القمع هو ما يحدث حين يصل إلى الأشياء التي تبدو بسيطة، لأنّ من يعد حبات الزيتون، لا يراقب الطعام وحده؛ إنه يقول للأسير، في أبسط صورة وأكثرها قسوة: حتى هذه المساحة الصغيرة من حياتك ليست لك.وهنا تصبح حبتا الزيتون أكثر من حبتين، إنهما سؤال عن الكرامة. عن ذلك الجزء الصغير من الحياة الذي يحاول الأسير الاحتفاظ به حين يُسلب منه كل شيء.فالأسير مهما ضاقت جدران زنزانته، يظل إنسانا يحتاج إلى أن يأكل لا ليعيش فقط، بل ليحتفظ بإحساسه بأنه ما زال يملك شيئا من نفسه، ولهذا فإنّ تحويل الطعام إلى وسيلة إذلال ليس مجرد تشديد في ظروف الاحتجاز؛ إنّه محاولة للوصول إلى الإنسان من أكثر نقاطه هشاشة: حاجته الأساسية إلى الحياة.ولعل أكثر ما يوجع في المشهد أنّ الزيتون نفسه ليس طعاما عابرا في الذاكرة الفلسطينية، إنه شجرة البلاد المتصلة بالجذور، ذاكرة الحقول التي صمدت كما أصحابها، وثمار الأشجار التي بقيت في مكانها حين اقتُلع كثير من البشر من أماكنهم.حين يصبح الزيتون داخل السجن جزءا من العقوبة، تبدو الصورة كأنها تختصر حكاية أوسع: فلسطين التي يُضيّق عليها في أرضها، وفي طرقها، وفي بيوتها، وحتى في لقمتها.ولذلك فإنّ حبتين إضافيتين لا تبدوان تفصيلا هامشيا، إنهما تكشفان إلى أي مدى يمكن أن تمتد يد القوة حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان إلا بوصفه رقما في منظومة العقاب.في هذه الحكاية، لا نحتاج إلى كثير من الكلمات عن الغطرسة، تكفي حبتا زيتون. فأحيانا، لا تكشف الأنظمة ما تفعله بالإنسان حين تنهال ل جسده، بل حين تعد ما يأكله.وحين يصل القمع إلى الصحن، يصبح الطعام نفسه وثيقة، إنها وثيقة لا تكتبها محاضر السجون، ولا تسجلها الجدران، لكنها تبقى في الذاكرة الفلسطينية كدليل آخر على أن الاحتلال لا يحاول فقط أن يحاصر الإنسان في المكان، بل أن يضيق عليه حتى في المساحة الأخيرة التي يفترض أن تكون له: جسده، ولقمته، وحقه البسيط في أن يأكل دون أن يكون عدد حبات الزيتون جريمة.وربما لهذا تبدو حبتا الزيتون، في نهاية الأمر، أكبر من السجن نفسه، لأنّ الإنسان الذي يُسلب منه كل شيء قد يجد في حبة زيتون معنى للأرض، وفي اللقمة معنى للحياة، وفي الاحتفاظ بحبتي زيتون زائدتين فعلا صغيرا من أفعال استعادة الذات.إنها ليست حكاية ثماني حبات زيتون، إنها حكاية سلطة عسكرية تخاف حتى من حبتين لا تملكان سوى أن تكونا في صحن أسير.وهذا هو ما لا تكتبه محاضر الجنود.

حبتا زيتون لا تكتبهما محاضر السجون

سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي

واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

د. أمين أبو السعود خبير في قضايا السياسات والتنمية الزراعية

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)