الأحد 04 أكتوبر 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس
تخيّل أن تطلب من نموذج ذكاء اصطناعي كتابة إعلان، أو إعداد تقرير، أو تنفيذ مهمة اعتدت أن تنجزها بكلمات قليلة، فيتوقف ويقول: لا أستطيع، لأن هذا يتعارض مع مبدأ. ستبدو اللحظة غريبة؛ فالآلة التي استدعيناها لتختصر الوقت أصبحت تطلب منا مراجعة ما نريد فعله. وربما نشعر بالاستفزاز: من منحها حق الاعتراض؟ لكن خلف هذا السؤال يختبئ سؤال أصعب: هل نريد ذكاءً يساعدنا على التفكير، أم قدرةً هائلة تنفّذ رغباتنا مهما كانت نتائجها؟هذا الاحتمال ليس مؤجلاً إلى مستقبل بعيد. تُدرَّب بعض النماذج بالفعل على رفض طلبات تتعارض مع سياسات السلامة، وعلى تقييم استجاباتها وفق مبادئ مكتوبة. وقد طوّرت «أنثروبيك» نهجاً يُعرف بالذكاء الاصطناعي الدستوري، فيما نشرت «أوبن إيه آي» أبحاثاً عن تدريب نماذج الاستدلال على التفكير في قواعد السلامة قبل الإجابة. أي إن التوقف عن تنفيذ المهمة أصبح سلوكاً ممكناً، لكن تفسيره باعتباره صحوة ضمير يتجاوز ما تثبته هذه الأبحاث.هناك فرق بين نظام يتصرف وفق قيمة، وكائن يشعر بأنه مسؤول عنها. يستطيع النموذج أن يكتب: «هذا غير أخلاقي»، من دون أن تكون العبارة دليلاً على إحساس داخلي بالذنب أو العدالة. فالرفض قد ينتج عن التدريب والتعليمات وآليات الحماية، ولا يكفي وحده لإثبات وعي أخلاقي مستقل. نحن نرى السلوك ونقرأ تفسيره، لكن اللغة المقنعة قد تجعلنا ننسب إلى الآلة تجربة إنسانية لم نثبت وجودها.مع ذلك، لا تقل أهمية الرفض لمجرد أنه ناتج عن تصميم بشري. في الإعلام والتسويق مثلاً، تخيّل نظاماً يرفض اختلاق شهادة عميل، أو تلفيق تصريح لشخص، أو تحويل خوف الناس إلى وعد تجاري مضلل. قد يرى صاحب الطلب أنه تعطيل للعمل، بينما يراه المتلقي حمايةً من الخداع. هنا تظهر المسافة بين نجاح المهمة وصحتها؛ فالإعلان الذي يرفع المبيعات قد يضر بالناس، والتقرير المتقن لغوياً قد يمنح الكذب مظهر الحقيقة.غير أن المشكلة تبدأ عندما نسأل: مبدأ مَن؟ فالنموذج لا يصل إلينا خارج المصالح والثقافات وعلاقات القوة. هناك من يختار قواعده، ويحدد المخاطر التي ينبغي أن يتجنبها، ويقرر الحدود التي لا يجوز أن يعبرها. ولهذا لا ينبغي أن نتعامل مع اعتراضه بوصفه حكماً أخلاقياً نهائياً. قد يكون الرفض مبرراً، وقد يكون نتيجة سوء فهم، وقد تعجز القاعدة العامة عن استيعاب خصوصية موقف إنساني.في واقعنا الفلسطيني، تصبح هذه المسألة شديدة الحساسية. تخيّل صحفياً في نابلس يطلب المساعدة في تحليل شهادة عن انتهاك، أو باحثاً يوثّق ما يجري في قرية أو مخيم، فيواجه رفضاً لأن النص يتضمن عنفاً. إذا لم يميز النظام بين توثيق الأذى والتحريض عليه، فقد يعطل معرفةً يحتاجها الناس للدفاع عن حقوقهم. حماية الإنسان تقتضي فهم سياق الكلام، لا الاكتفاء بالانزعاج من مفرداته. وهذه أمثلة افتراضية تكشف ما ينبغي اختباره، وليست حكماً بأن جميع النماذج تتصرف بهذه الطريقة.ويزداد الأمر تعقيداً حين ينتقل الذكاء الاصطناعي من كتابة الإجابات إلى تنفيذ الأعمال. الوكيل الذي يدير حملة أو يرسل مراسلات أو يتعامل مع بيانات قد يكتشف أثناء التنفيذ خطراً لم يكن ظاهراً في البداية. عندها يصبح توقفه قدرةً نحتاجها، بشرط أن يوضح سبب التوقف، وحدود معرفته، وما يمكن إنجازه بطريقة مسؤولة. أما الرفض الغامض، الذي لا يتيح فهماً أو مراجعة، فيحوّل الحماية إلى سلطة يصعب مساءلتها.أرى أن السؤال الحقيقي يتجاوز إمكان أن تقول الآلة «لا». ما نحتاجه هو أن نعرف لماذا قالتها، ومن وضع المعيار، وكيف نصحح قرارها إذا أخطأت. نحتاج أنظمة ترفض المساعدة على الأذى، وتظل قادرة على خدمة الصحافة والبحث والنقد وتوثيق الحقوق. كما ينبغي أن تبقى المسؤولية على البشر الذين يصممونها وينشرونها ويستخدمونها؛ فلا يصح أن تختبئ مؤسسة خلف عبارة: «النموذج قرر».قد يأتي يوم تبدو فيه اعتراضات هذه الأنظمة أكثر اتساقاً وإقناعاً، لكن علينا ألا نستعجل تسميتها ضميراً. وربما تكون القيمة الأعمق في لحظة توقف الآلة أنها تدفع الإنسان إلى التوقف أيضاً: لماذا أطلب هذه المهمة؟ ومن سيدفع ثمن نجاحها؟ ففي عالم يقيس الإنجاز بسرعة التنفيذ، قد تكون أهم لحظة هي تلك التي نسأل فيها، قبل أن نضغط زر الإرسال، إن كان ما نستطيع فعله يستحق أن نفعله. * باحث ومستشار في الإعلام والتسويق الرقمي.
حين تقول الآلة: هذا يخالف مبادئي
جون ماكدونيل: عضو البرلمان عن دائرة هايز وهارلينغتون البريطانية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)