في غزة، لم يعد السؤال الذي يطارد العائلات المكلومة هو: متى تنتهي الحرب؟ بل كيف يمكن أن تستمر الحياة وتتنفس وسط هذا الركام الممتد على طول القطاع وعرضه؟ وبعد ثلاث سنوات عجاف من حرب الإبادة الجماعية والدمار الشامل والنزوح القسري المتكرر، لا تزال غزة تعيش واقعاً إنسانياً بالغ القسوة وفوق الطاقة البشرية، رغم التوصل إلى اتفاق التهدئة الساري منذ الحادي عشر من أكتوبر الماضي وتراجع حدة المعارك البرية مقارنة بالمراحل الأشد عنفاً، إلا أن خروقات الاحتلال اليومية وقذائفه الغادرة ما زالت تحصد الأرواح وتعمق المأساة الحاضرة في تفاصيل النهار والليل.
إن المأساة الإنسانية الكارثية في غزة لا تختصرها أرقام الشهداء والجرحى وحدها على ضخامتها الفاجعة، فخلف كل رقم قصة وجع وعائلة فلسطينية فقدت منزلاً تراكمت فيه الذكريات، أو مصدر رزق استحال رماداً، أو شخصاً عزيزاً تحوّل غيابه المفاجئ إلى فراغ دائم ينبش صدور الفاقدين.
ومع استمرار الحصار الخانق وإغلاق المعابر الحيوية، تحولت غزة إلى سجن كبير معزول عن العالم، يعاني فيه المواطنون الأمرين في سبيل الحصول على أدنى مقومات البقاء، بينما يواصل الاحتلال التلاعب بملفات الإغاثة وإدخال المساعدات والمستلزمات المعيشية كأداة لعقاب الحاضنة الشعبية الصامدة للمقاومة. أخبار ذات صلة كلاسيكو التحدي تحت ظلال الخيام.. غزة تنتزع الحياة من براثن الموت بركلة كرة قدم صناديق الاقتراع الإسرائيلية تُفتح بالدم.. أشلاء أطفال غزة وحصارها وقودٌ في "بازار" المزايدات الانتخابية للاحتلال
ومع اقتراب موسم الأمطار والمنخفضات الجوية الخريفية الشديدة، تبدو أوضاع مئات آلاف النازحين أكثر مأساوية وضراوة؛ إذ يواجهون شتاءً رابعاً تحت ثنائية البرد القارس والخيام المهترئة التي لا تقي حرّاً ولا تدفع مطراً، مئات الآلاف من العائلات يتكدسون اليوم في مواقع نائية وملاجئ مؤقتة ومناطق منخفضة مهددة بالغرق، وسط انعدام شبه كامل للبنية التحتية وشبكات الصرف الصحي التي دمرتها آلة الحرب الصهيونية، وفي ظل قيود تعجيزية ونقص حاد في التمويل يفرضه الاحتلال لعرقلة جهود وكالات الإغاثة الدولية والمحلية لتجهيز هذه المواقع وتحسين تصريف المياه وتوفير الأغطية والشوادر البلاستيكية الضرورية.
هكذا تتبدى غزة اليوم بصورتها الحقيقية؛ مدينة صابرة تتمسك بأبسط مقومات الحياة والكرامة الإنسانية، بينما لا تزال آثار العدوان الإسرائيلي الهمجي غائرة وشاهدة في البيوت المهدمة، والمستشفيات المنهكة كلياً، ومخيمات اللجوء الطافية على مياه الصرف الصحي، وشح المياه الصالحة للشرب، والخوف المستمر الذي لم يغادر النفوس.
وفي كل يوم يمر، لا ينتظر سكان القطاع نهاية المعاناة السياسية فحسب، بل يتوقون لأن يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة أمراً طبيعياً غير محفوف بالمخاطر، وأن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه الطفل الفلسطيني الذهاب إلى مدرسته بحرية وأمان، وتعود العائلة المشتتة إلى بيت وعنوان دائم لا يحتاج إلى خيمة مهلهلة تُنصب فوق أنقاضه.
التعليقات (0)