في زمن الاحتلال وتغوّل الاستيطان، لم يعد الزيتون مجرد شجرةٍ مباركةٍ تطرح ثمرةً مضيئة، بل باتت ساحةً لمعركةٍ على الأرض والهوية، وهي معركةٌ ظلت تستهدف طوال المواسم السابقة الأشجار الشاردة من الحقول المتاخمة للأحزمة الاستيطانية الخانقة للقرى والبلدات، قبل أن تصبح حدائق المنازل ساحةً لها، حيث يُمنع الفلاحون من جني محاصيلهم التي تقيم أوَدهم وتسد حاجتهم وتعينهم على تحمّل أعباء الحياة؛ فكثيراً ما كانت الشجرة مصدراً لسداد أقساط الجامعة لأبناء الفلاحين، الذين يُعَدّ الزرع والضرع بالنسبة إليهم إكسير الحياة.
تسارعت وتيرة التسعير مع بدء موسم القطاف، الذي يُعَدّ بالنسبة للقرويين موسم فرحٍ تجتمع فيه العائلة الممتدة صغاراً وكباراً على صعيدٍ واحد، يقطفون فيه حبات الزيتون بتؤدة، ويترفقون بالأغصان المثقلة بحملها الذي حملته وهناً على وهن، قبل أن يصير زيتاً يضيء القلوب بالفرح، ويبشر بعمار البيوت.
عصابات المستوطنين تتقمص عادات أصحاب الأرض الأصليين، وتحاكي طقوس القطاف، في محاولةٍ للسطو على التراث والسردية الوطنية الفلكلورية بسرديةٍ مضادة، يضاف إليها رعي المواشي المسروقة في الأراضي المسلوبة، ما يُعمّق وجع الفلاحين وهم يرون زرعهم وضرعهم في قبضة الغرباء الطارئين على أرضهم.
لم تقتصر المعركة على الحقول، بل بلغت السجون؛ إذ قضى "بن غفير" ثلاث ساعاتٍ للوصول إلى سجن "كتسيعوت" في النقب أمس الأول، ليسحب حبتين من حبات الزيتون الثماني المقدمة للمعتقلين، مُوبخاً السجانين، ومُصدراً تعليماته بـ"أنّ الحكم يبدأ بالزيتون".
كان الزيتون ولا يزال شاهداً، حتى أصبح اليوم شهيداً يقطر دماً.
التعليقات (0)