من أبشع الجرائم التي ارتبطت بالتعصب الديني في سوريا، جريمة قتل الأب توما الكبوشي ومساعده المسلم إبراهيم عمارة في دمشق سنة 1840، وهي القضية التي عُرفت تاريخيًا باسم «فَرِيَةِ الدَّم» ضد عصابة تتخفى خلف اليهودية في دمشق. فقد أقدمت تلك العصابة، وفق الرواية التاريخية للقضية، على قتل الأب توما ومساعده، متذرعة بتأويلات دينية وبزعم أن دم الضحيتين سيُستخدم في طقوس دينية، رغم أن الشريعة اليهودية لا تعرف طقسًا يقوم على استخدام دم الإنسان؛ فالدم الذي ارتبط بالطقوس في الشريعة التوراتية هو دم الذبائح الحيوانية، أما دم الإنسان فليس مادة لطقس ديني، في واحدة من أبشع صور توظيف الدين لتبرير القتل.
وكان الأب توما يمارس الطب في دمشق، وقد عُرف بعلاج المرضى ومساعدة الناس في زمن انتشار الأوبئة، وفي الخامس من شباط/فبراير 1840، اختفى برفقة خادمه إبراهيم عمارة، فتحولت الحادثة إلى قضية سياسية ودينية كبرى، وبدأت التحقيقات والاعتقالات، ثم تعرض عدد من المتهمين من أبناء الطائفة اليهودية للتعذيب وانتُزعت منهم اعترافات، وتحولت القضية إلى صراع تجاوز حدود دمشق إلى عواصم وقوى دولية.
وتورد روايات القضية أسماء عدد من الذين طالتهم الاعتقالات والتحقيقات، وفي مقدمتهم يعقوب عنتابي، وموسى أبو العافية، وموسى بيماد، ويهودا سلاميكي، إلى جانب داود الحريري وهارون الحريري وإسحاق الحريري ويوسف الحريري، ومراد فتّال ومئير فرحي ومراد فرحي ويوسف فرحي وسليمان سلوم وهارون أصلانبولي وأسـلان رافائيل وإسحاق بيجوتو ويوسف لينادو، وكان من بين هؤلاء أربعة من الحاخامات اهمهم الحاخام يعقوب عنتابي ، فيما ارتبطت أسماء أخرى بسلسلة التحقيقات والاتهامات التي أعقبت اختفاء الأب توما ومساعده.
وفي محاضر التحقيق ظهرت روايات تفصيلية عن الطريقة التي قيل إن الأب توما قُتل بها؛ إذ جرى تقييده ووضع قطعة قماش في فمه، ثم قيل إن مراد فرحي قطع رقبته، بينما أمسك آخرون بجسده حتى استُنزف دمه، قبل أن تُقطع أوصال الجثة وتُلقى في النهر، ثم تكررت الجريمة، وفق الرواية، مع إبراهيم عمارة، وجرى تقديم ما قيل إنه عظام وأجزاء من الجسد والقبعة والشعر، إلى جانب تقارير الأطباء والاعترافات التي انتُزعت أثناء التحقيق.
وصدر بحق عشرة متهمين أحكام بالإعدام، بينما مات اثنان أثناء التحقيق، وتحول أربعة إلى شهود اتهام، وأُقرت الأحكام، لكن تنفيذها لم يتم بعد تدخل القنصل الفرنسي وإرسال أوراق القضية إلى إبراهيم باشا، قائد القوات المصرية في سوريا آنذاك، لتدخل القضية مرحلة جديدة من التدخلات السياسية والدبلوماسية.
ولم تتوقف القضية عند حدود التحقيق والمحاكمة، إذ تحركت شخصيات يهودية بارزة للدفاع عن المعتقلين، وكان من أبرزها المحامي الفرنسي إسحاق كريميو والبريطاني موسى مونتفيوري، اللذان وصلا إلى الإسكندرية وعملا على الضغط على محمد علي باشا لوقف ملاحقة المتهمين وإطلاق سراح المعتقلين ومنحهم الأمان وإعادتهم إلى أعمالهم، وتذكر الروايات أن هذه الضغوط والمساومات ، حيث رافقها عرض مبلغ ثلاثمائة ألف ليرة ذهبية على ابراهيم باشا لإنهاء القضية وإطلاق سراح المعتقلين.
التعليقات (0)