في غزة، لا يكفي أن تفقد عائلتك كي يُسمح لك بالحزن. عليك، بعد ذلك، أن تتعلم كيف تواصل الحياة عملها وكأن شيئًا لم يحدث. سحر كحيل تعرف هذه القاعدة جيدًا. امرأة في الستين، أكاديمية وداعية، درست الفقه المقارن، ودرّست أجيالًا من الطالبات، وترأست أقسامًا في كلية الدعوة الإسلامية، وعملت في تعليم التجويد والقرآن. كانت تعرف كيف تشرح للناس معنى الصبر، قبل أن يأتي يوم تضطر فيه إلى امتحان الصبر بنفسها بين الركام.
ثم جاءت الحرب، وقررت أن تعيد ترتيب سيرتها الذاتية بطريقة لا تخطر على بال أحد. أصبحت زوجة شهيد. ثم أمًّا لأربعة شهداء. ثم امرأة تحمل على كتفيها أحد عشر حفيدًا يتيمًا، خمسة منهم فقدوا الأب والأم معًا في غارة واحدة. كان يمكن للقصة أن تتوقف هنا، لكن غزة لا تسمح حتى للنهايات أن تنتهي. كان ابنها الأكبر، الدكتور أحمد أبو عبسة، عميد كلية الهندسة في جامعة فلسطين، حاصلًا على الدكتوراه في هندسة الاتصالات، وإمامًا وخطيبًا وقارئًا للقرآن. يجمع بين العلم وحفظ القرآن. أما براء، فكان يستطيع أن يسرد القرآن كاملًا في سبع ساعات. سبع ساعات. في بلدٍ صارت فيه سبع دقائق كافية أحيانًا لتغيير مصير عائلة كاملة. وقبل أن يرحل، قال لأمه: «أمي، إذا وصلك نبأ استشهادي فلا تبكي». كأنه كان يعرف أن أمه لم يعد لديها متسع لخبر آخر. وكانت ياسمين، ابنتها، متفوقة في دراستها، حافظة للقرآن، ثم استشهدت مع زوجها. ثم لم تكتفِ الحرب بأبنائها. أخذت أختها الوحيدة وعائلتها، وأفرادًا آخرين من الأسرة، وتركت لها حفدةً يتامى يحتاجون إلى أمٍّ جديدة. وهنا تظهر المفارقة التي لا يستطيع العقل أن يتعامل معها بسهولة: امرأة فقدت أبناءها الأربعة، يفترض أن يجلس العالم إلى جوارها ليواسيها، لكن سحر كحيل فعلت العكس. ذهبت هي لتواسي زوجات الشهداء. ربما لأن غزة، في أثناء توزيع المصائب، أخطأت في العنوان. ربما كان يجب أن تُكتب على باب بيتها لافتة تقول: «هنا امرأة تحتاج إلى مواساة». لكن يبدو أن أحدًا لم يجد الوقت لطباعة اللافتة؛ فالبيوت تُقصف، والخيام تُنصب، والجوع يمر من خيمة إلى أخرى، والأطفال يبحثون عن آبائهم في الصور، بينما كانت سحر تجمع ما تبقى من عائلتها وتحاول أن تمنح الآخرين شيئًا من القوة التي لم يعد أحد يعرف من أين تأتي. ثم، في يوليو 2026، ظهرت في خبر آخر. ليس خبرًا عن استشهاد أحد أبنائها، ولا عن بيتها الذي دُمّر، ولا عن حفيد جديد فقد أباه. ظهرت بصفتها مديرة برنامج قرآني للصحفيات في غزة. اسم البرنامج: «الدرر في حفظ وفهم السور». كانت الصحفيات يجلسن لحفظ القرآن وتجويده وتدبره، وكانت سحر تشرح لهن أن القرآن ليس للحفظ والتلاوة فقط، بل للفهم والعمل، وأن الإنسان يحتاج إلى ما يمنحه الصبر والثبات. يمكن تخيل المشهد: امرأة فقدت زوجها وأبناءها الأربعة تجلس أمام صحفيات فقدن بيوتًا وأقارب وأيامًا كاملة من أعمارهن، وتقول لهن إن القرآن يمنح الإنسان القوة.
أصبحت كتفًا يتكئ عليه آخرون. ليس في الأمر بطولة سهلة؛ فالذين يكتبون عن الصبر من بعيد ينسون أن الصبر، عند أصحابه الحقيقيين، ليس كلمة جميلة. الصبر أن تستيقظ ولا تجد أبناءك، أن تنادي أسماءهم ثم تتذكر أنهم لن يجيبوا، أن يكون لديك أحد عشر حفيدًا ينظرون إليك، وأنت تعرف أن بعضهم لا يملك حتى رفاهية السؤال: أين أبي؟ الصبر أن تفقد بيتك ثم تجد نفسك تشرح للآخرين معنى السكينة، وأن تخسر أبناءك ثم تجلس لتعلّم نساءً أخريات سورة البقرة. لذلك، ربما ليست الحكاية أن سحر كحيل صبرت. ربما الحكاية الأكثر قسوة أن غزة جعلتها تتعلم كيف يكون الإنسان حيًّا بعد أن يموت الجزء الأكبر من حياته. وفي النهاية، لم تعد سحر كحيل مجرد أم لأربعة شهداء؛ أصبحت شيئًا أكثر غرابة من ذلك كله: امرأة حاولت الحرب أن تجعلها شاهدة على موت عائلتها، فإذا بها تتحول إلى شاهدة على استمرار الحياة. وهذه، في الحقيقة، هي السخرية الأكثر مرارة: أن تُهدم حياتك كلها، ثم يُطلب منك أن تشرحي للآخرين كيف يبنون حياتهم. فتفعل. وتفتح المصحف. وتبدأ بسورة البقرة.
التعليقات (0)