شهد تاريخ الثالث من أكتوبر عام 1932 تحولاً جذرياً في المسار السياسي لبلاد الرافدين، حيث صوّتت جمعية عصبة الأمم بالإجماع على قبول العراق عضواً في المنظمة الدولية. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل مثل الإعلان الرسمي عن انتهاء الانتداب البريطاني وتحول المملكة العراقية إلى دولة مستقلة ذات سيادة كاملة في نظر القانون الدولي.
تعود جذور هذه المرحلة إلى أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين وُزعت تركة الدولة العثمانية في مؤتمر سان ريمو عام 1920، والذي منح بريطانيا حق الانتداب على الولايات الثلاث: بغداد والبصرة والموصل. وقد صُنفت هذه الأراضي ضمن الفئة 'أ' التي تمتلك مقومات الاستقلال شريطة تلقي المشورة الإدارية من الدولة المنتدبة.
لم يستسلم العراقيون لواقع الانتداب المباشر، حيث اندلعت ثورة العشرين المسلحة التي انطلقت من الرميثة وامتدت إلى الفرات الأوسط، مما أجبر لندن على إعادة النظر في استراتيجيتها. أدت هذه المقاومة إلى تقليل كلفة الإدارة البريطانية المباشرة والبحث عن صيغة حكم وطنية تضمن المصالح البريطانية في آن واحد.
في عام 1921، وبموجب مخرجات مؤتمر القاهرة، تم تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، ليبدأ مسيرة بناء المؤسسات الوطنية من جيش وبرلمان وإدارة. ومع ذلك، بقيت الدولة العراقية الناشئة مقيدة بمعاهدات تمنح المندوب السامي البريطاني نفوذاً واسعاً أمام عصبة الأمم، مما جعل الاستقلال منقوصاً في جوهره.
لعبت قضية ولاية الموصل دوراً محورياً في تسريع وتيرة الاستقلال، حيث تنازعت عليها تركيا والعراق المدعوم بريطانياً. وحسمت عصبة الأمم النزاع عام 1925 لصالح العراق، لكنها وضعت شرطاً يقضي باستمرار الارتباط ببريطانيا لمدة 25 عاماً، ما لم يتم قبول العراق عضواً في العصبة قبل ذلك التاريخ.
تحولت عضوية المنظمة الدولية من طموح دبلوماسي إلى مخرج قانوني ضروري لإنهاء الانتداب قبل موعده المفترض. وبناءً على ذلك، وقعت بغداد ولندن معاهدة عام 1930 التي نظمت العلاقة العسكرية والسياسية لمرحلة ما بعد الانتداب، والتي دخلت حيز التنفيذ فور الانضمام الرسمي للعصبة في جنيف.
التعليقات (0)