رأي مسار حين كانت العملية السياسية التفاوضية قائمةً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإن كانت متعثرة وتسير على طريقٍ مليءٍ بالحفر والمطبّات والألغام، كانت الانتخابات الفلسطينية العامة جزءاً منها، وكانت الموافقة الإسرائيلية عليها أمراً متفقاً عليه، ولم يكن قراراً تتخذه إسرائيل أو تحجم عنه من جانبٍ واحد.
والآن حيث قرر الفلسطينيون إجراء انتخاباتهم التشريعية، دون تشاورٍ مسبقٍ مع الإسرائيليين، وذلك بفعل انهيار اتفاقات وتفاهمات أوسلو، فقد أضحت الانتخابات العامة شأناً فلسطينياً من حيث القرار والتنفيذ، دون إغفال الحاجة الفلسطينية لدعمٍ إقليميٍ ودوليٍ لإجرائها وحماية نتائجها.
كانت الانتخابات العامة زمن العملية السياسية، شرطً لإنجاحها، ولكن حين انهارت العملية، تحوّلت الانتخابات العامة إلى سلاح مهمٍ بيد الفلسطينيين، يحققون من خلاله إرادتهم الوطنية، تجاه القضايا الأساسية التي يؤمنون بها ويكافحون من أجلها، وفي حال استحالة أن تكون الانتخابات مرتبطةً بحالةٍ تفاوضيةٍ مع الخصم، فالوضع المنطقي لها أن تكون انتخابات تحدٍ وطنيٍ وأساسٍ كفاحيٍ يجسّد وحدة الوطن والشعب، ومحطةً حيويةً على طريق الكفاح من أجل الحرية والاستقلال.
الخلط بين حالتين، انهيار العملية السياسية وتحوّلها إلى حرب، والحصول على سماح الإسرائيليين وتسهيلاتهم لإجرائها، أمرٌ يفتقر إلى المنطقية والواقعية، لذا فإن تأجيل الانتخابات استناداً إلى المعوّقات والعراقيل التي تضعها إسرائيل في وجهها، هو بمثابة إذعانٍ لواقعٍ تخلقه إسرائيل وتفرض على الفلسطينيين قبوله والتكيّف معه، لهذا على الفلسطينيين التوكل على الله، والذهاب إلى انتخاباتهم بمنطق التحدي الوطني، وليس بمنطق انتظار زوال المعوّقات الإسرائيلية، وسيكتشفون أن مزايا إجرائها بالتحدي والإصرار، وفي كل الوطن وبكل الوسائل الممكنة أفضل ألف مرة من تأجيلها أي إلغائها، فقد جرّب الفلسطينيون التأجيل عدة مرات ورأينا كم كانت عواقبه كارثيةً على الفكرة والوطن.
الانتخابات العامة بإرادةٍ فلسطينية ليست بالأمر الذي يحتاج إلى ترخيصٍ إسرائيلي، بل إنها ضرورةٌ تحتاج إلى إرادة تحدٍ ومواجهة، وهذا ما ينبغي أن يتجسّد حين تتوجه الملايين من غزة والقدس والضفة للانتخابات.
التعليقات (0)