ونحن نعيش الذكرى السادسة والعشرين لهبّة القدس والأقصى، التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر عام 2000، وأسفرت، عن استشهاد 4412 فلسطينيًا وإصابة 48322 آخرين، فيما قدم الداخل الفلسطيني 13 شهيدًا ومئات الجرحى والمعتقلين، لا بد، خاصة في مثل هذه الظروف، من التأكيد على أهمية التمسك بمفاهيمنا ومبادئنا وثوابتنا والعضّ عليها بالنواجذ، وعدم السماح لعواصف مشاريع الأسرلة وكيّ الوعي، بمختلف مسمياتها وأشكالها، بأن تعيد تشكيل وعينا أو تنقلنا من موقع إلى آخر.
ستبقى الأقلام تنبض بمدادها، وسيبقى حراس الذاكرة والوعي والانتماء والهوية يستحضرون ذكرى هبّة القدس والأقصى، باعتبارها واحدة من المحطات التي تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي لفلسطينيي الداخل.
لكن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على استعادة مشاهدها وأحداثها وشهدائها، بل يستحق أن يعيدنا إلى السياق الذي سبقها، وإلى طبيعة الوعي السياسي الذي ساد آنذاك، وإلى بعض المفارقات التي تكشفها السنوات اللاحقة.
فقد اندلعت الهبّة في عهد حكومة إيهود باراك، التي شكل حزب العمل رأسها، والتي تُصنف، وفق المفاهيم السياسية السائدة، ضمن ما يُسمى "اليسار"، وهي تصنيفات ومفاهيم لسنا ملزمين بتبنيها أو التسليم بها. وقد حظيت الحكومة آنذاك بنسبة تصويت مرتفعة من المجتمع العربي بلغت نحو 75%، فيما حظي باراك، في مواجهة بنيامين نتنياهو، بنحو 95% من أصوات المقترعين العرب الذين صوّتوا له في تلك الانتخابات.
جاء ذلك التصويت في سياق سياسي جرى فيه تقديم باراك باعتباره الخيار الأقل سوءًا والأقل ضررًا مقارنة بنتنياهو، بل جرى تسويق الانتخابات باعتبارها انتخابات مصيرية وحالة اضطرارية تستدعي الاستنفار العربي لدعم باراك، حتى وصل الأمر، في بعض الأماكن، إلى استخدام مكبرات الصوت ومآذن بعض المساجد للدعوة إلى الخروج والتصويت.
وبعد ستة وعشرين عامًا، نستحضر هذه الوقائع لطرح سؤال أوسع حول العلاقة بين الوعي السياسي والذاكرة الجماعية والخيارات التي تُقدم للمجتمع في لحظات توصف بأنها استثنائية أو مصيرية، وما الذي ينبغي أن نتعلمه من المسافة بين الرهانات السياسية التي سبقت الهبّة وما حدث بعدها.
التعليقات (0)