السؤال الفلسطيني اليوم ليس مجرد سؤال حول إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها أو تأجيلها، بل سؤال أعمق يتعلق بمصداقية القرار السياسي، حدود المسؤولية الوطنية، وما إذا كانت الانتخابات ستتحول إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي أم إلى حلقة جديدة في مسلسل التأجيل والانقسام؛ فحين يقترب الاستحقاق الانتخابي من لحظة الاختبار، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن من يقرر، وبأي مبررات، ومن يتحمل كلفة القرارات السياسية التي تعيد ترتيب حياة المرشحين والقوائم والقوى المجتمعية؟
رغم التحفظات السياسية على طريقة التعامل مع المراسيم الرئاسية، فلا يمكن تجاهل حقيقة أن المرسوم الرئاسي الصادر في 9 تموز الماضي، والذي حدد 28 تشرين الثاني 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، يمثل الإطار الرسمي القائم لإطلاق العملية الانتخابية في ظل استمرار الانقسام وتعطل المجلس التشريعي.
إن نقد الطريقة لغياب المشاورات العامة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتقويض كل مسار مؤسسي بديل خصوصاً عندما تكون القناة التشريعية المنتخبة معطلة؛ فالخطر لا يكمن فقط في احتمال تأجيل الانتخابات، بل في تحويل التشكيك في طبيعة المرسوم إلى حالة دائمة من التعطيل. إذا كان المرسوم قابلا للتجاوز كلما اقترب موعد الاستحقاق، فما الذي يضمن ألا تتحول الانتخابات إلى وعد مؤجل باستمرار؟ وفي المقابل، فإن التمسك بالموعد لا يعفي الجهات المسؤولة من معالجة الشروط القانونية والسياسية والأمنية التي تضمن انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية، بما في ذلك حقوق المشاركة في القدس وغزة والضفة الغربية.
في ظني لا أحد يعارض حواراً وطنياً جاداً، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يكن الحوار شرطاً تأسيسياً ومبكراً قبل الوصول إلى مرحلة تسجيل القوائم؟ ولماذا انتظرت بعض الفصائل حتى أصبحت العملية الانتخابية على أبواب مرحلة حاسمة؛ لقد تحاورت القوى الفلسطينية حوارات متكررة في عواصم عربية ودولية، دون أن تنجح في إنهاء الانقسام وبناء نظام سياسي موحد. لذلك لا يكفي أن تعلن الفصائل عن حوار جديد بل عليها أن تقدم للمجتمع الفلسطيني ضمانات عملية وجدولاً زمنياً واضحاً، وآليات تنفيذ ومساءلة، بدلاً من إعادة إنتاج الوعود ذاتها.
الحوار الذي يأتي بعد صدور المرسوم وبدء التسجيل لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتعليق الاستحقاق بل إلى وسيلة لمعالجة القضايا التي لا يمكن تجاهلها دون المساس بحقوق الناخبين. وإذا كانت هناك مخاطر حقيقية تهدد نزاهة الانتخابات أو شمولها، فعلى الجهات الداعية إلى التأجيل أن تعلنها بوضوح، وأن تحدد البدائل والمدة والمعايير التي تجعل العودة إلى الاقتراع ممكناً. أما الدعوة المفتوحة إلى الحوار دون سقف زمني تعني عملياً إبقاء مستقبل العملية الانتخابية رهناً بالتوافقات السياسية.
هناك كلفة سياسية واجتماعية مباشرة لأي تأجيل محتمل؛ فالمرشحون باتوا مستقيلين من وظائفهم أو مواقعهم العامة، وقوى سياسية أعادت بناء تحالفاتها، وشخصيات اقتربت من قوائم وابتعدت عن أخرى، والمواطنون اتخذوا قراراتهم على أساس أن الانتخابات استحقاق قائم. فمن يتحمل مسؤولية هذه الكلفة؟ وهل تملك الجهات الداعية إلى التأجيل تصوراً لتعويض المتضررين سياسيا وقانونيا واقتصادياً ومالياً، أو على الأقل توضيح مصير الاستقالات والالتزامات والتحالفات التي نشأت في ظل موعد انتخابي معلن؟
التعليقات (0)