لم يعد الاستيطان في الضفة الغربية مجرد بؤر متناثرة على قمم الجبال أو مستوطنات تحيط بالقرى الفلسطينية، بل أصبح مشروعاً متكاملاً يعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية عبر الأرض والطرق والحواجز والوجود العسكري، وما يجري اليوم في منطقة رام الله قد يكون نموذجاً واضحاً لهذه السياسة؛ فالمسألة لم تعد فقط السيطرة على قطعة أرض، وإنما إعادة تشكيل حركة الفلسطينيين وفصل تجمعاتهم عن بعضها بعضاً، مقابل فتح مسارات أكثر سهولة أمام المستوطنين.
التقرير الذي نشرته صحيفة «هآرتس» حول الطريق رقم 463 يكشف جانباً مهماً من هذا التحول، فالطريق الذي يمتد لنحو عشر كيلومترات داخل منطقة رام الله– البيرة، ويمر بالقرب من تجمعات فلسطينية ومرافق حيوية، يجري الدفع باتجاه فتحه أمام حركة المستوطنين، بعد سنوات من إغلاق أجزاء منه أمامهم، واللافت أن التحرك لا يأتي منفصلاً عن نشاط استيطاني أوسع على امتداد المنطقة، بل يترافق مع محاولات للسيطرة على أراضٍ وطرق أخرى، الأمر الذي يطرح سؤالاً أكبر من مجرد إعادة فتح طريق.
فإذا كان الهدف المعلن هو تسهيل حركة المستوطنين، فإن السؤال المقابل هو: ماذا سيحدث لحركة الفلسطينيين؟
هنا تكمن خطورة المسألة، فالطريق يمر في منطقة حضرية مكتظة، ويقترب من أحياء وقرى فلسطينية ومرافق أساسية، بينها المستشفى الاستشاري والجامعة العربية الأمريكية ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي، وإذا تطلب فتح الطريق أمام المستوطنين إقامة حواجز ونقاط عسكرية وإجراءات أمنية جديدة، فإن هذه الإجراءات قد تتحول عملياً إلى جدار جديد داخل الجغرافيا الفلسطينية، يفصل مناطق عن أخرى ويجعل الوصول إليها أكثر صعوبة. وهكذا تصبح الطريق، التي يفترض أن تكون وسيلة للربط والحركة، أداة لإعادة توزيع الحركة وفقاً لمصلحة المستوطنين.
المشكلة الأكبر أن محافظة رام الله ليست مساحة جغرافية متصلة أصلاً، فالمستوطنات والطرق الالتفافية ومناطق السيطرة المختلفة والحواجز والبوابات العسكرية قسمت المجال الفلسطيني إلى جيوب متجاورة جغرافياً لكنها منفصلة عملياً، ومع كل طريق جديد مخصص لخدمة المستوطنات، وكل حاجز جديد، وكل إجراء عسكري يفرض على الفلسطينيين مساراً أطول، تتراجع إمكانية التواصل الطبيعي بين القرى والمدن والأحياء.
وهذا هو جوهر التحول الخطير: الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم الأرض حتى يغير واقعها، أحياناً يكفي أن يعيد تنظيم الطرق، وأن يفرض نقاط التفتيش، وأن يوسع المستوطنات، وأن يمنح المستوطنين طرقاً مختصرة، بينما يدفع الفلسطينيين إلى طرق أطول وأكثر ازدحاماً.
التعليقات (0)