في فلسطين، لا يمكن النظر إلى الزراعة باعتبارها مجرد نشاط اقتصادي أو مصدراً للدخل. فالزراعة هي علاقة الإنسان بالأرض، والأرض هي أساس الصمود والاستقرار وحماية الموارد الوطنية. ولذلك فإن كل سياسة تساعد المزارع على البقاء والإنتاج والاستثمار في أرضه هي، في جوهرها، سياسة لتعزيز الصمود الفلسطيني.
ومن هنا تبرز أهمية النهج الذي تتبناه وزارة الزراعة في الانتقال من مركزية الخدمة إلى ميدان الخدمة، ومن انتظار المزارع للوصول إلى الوزارة، إلى وصول الوزارة وخدماتها إلى المزارع حيث توجد الأرض والإنتاج. فقد عملت الوزارة على إنشاء وتشغيل 10 دوائر و33 مكتباً زراعياً وبيطرياً في المناطق الريفية والزراعية، بهدف تقريب الخدمات من المزارعين ومربي الثروة الحيوانية وتعزيز حضورها في مناطق الإنتاج، بما فيها المناطق النائية ومناطق (ج).
قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد إعادة توزيع للمكاتب والموظفين، لكنه في الواقع يحمل دلالة تنموية وإدارية أعمق. فالفكرة الأساسية هي أن الخدمة العامة يجب أن تكون حيث يوجد المواطن وحيث توجد الحاجة، لا حيث توجد المؤسسة فقط.
وهذا التحول مهم بصورة خاصة في الظروف التي يعيشها الريف الفلسطيني، حيث تؤدي الحواجز والإغلاقات وتقطيع الطرق وصعوبة التنقل إلى زيادة كلفة الوصول إلى الخدمات الحكومية. ولذلك فإن وجود الموظف الزراعي والبيطري بالقرب من المزارع لا يقلل فقط الوقت والمسافة، بل يسرّع الاستجابة للأمراض والآفات والطوارئ، ويساعد الوزارة على رصد المشكلات قبل تفاقمها.
لكن الأهم أن هذا النهج يفتح الباب أمام مفهوم أوسع هو التنمية المحلية المستدامة.
فالمكتب الزراعي الموجود في القرية أو المنطقة الريفية يمكن ألا يكون مجرد مكان لإنجاز المعاملات، بل منصة لمعرفة الموارد المحلية، ورصد الاحتياجات، وتقديم الإرشاد، ومتابعة المشاريع، وربط المزارعين بالبرامج الحكومية، وتوفير المعلومات التي تساعد على اتخاذ قرارات تنموية أكثر دقة. وبذلك تصبح التنمية مبنية على احتياجات الأرض والمجتمع المحلي، وليس على افتراضات تُصنع بعيداً عن الميدان.
التعليقات (0)