من الصعب وصف المشهد العربي الفلسطيني الحالي بتشابك حلقاته وتعقيداته وتداخل العوامل فيه بحيث إنك لا تستطيع أن تحسم فكرتك أو قرارك باتجاه معين محدد واضح دون غيره.
فالقضية الفلسطينية وأي تفصيل من تفاصيلها ما كانت قضية فلسطينية خالصة، صحيح، ولكنها اليوم أصبحت عالمية وبين الأيدي الخطأ بسبب حجم العوامل المتداخلة التي درجنا على تسميتها العوامل الذاتية وتلك الموضوعية. وباعتبار أننا نعيش في فم الوحش فإنه يحتضن كل هذه العوامل ويشكل عاملًا أساسيًّا بحيث تتحول العوامل إلى صيغة العامل الوطني الداخلي والعامل الإسرائيلي والعامل الخارجي حيث إن حسم العامل الإسرائيلي باعتباره عامل خارجي يفتقر إلى الدقة لشدة التداخل بين هذا العامل والعامل الفلسطيني ومن هنا يأتي تشابك الحلقات وتداخلها بحيث إنه في كثير من المواضع لا تستطيع أن تفكفك العامل الإسرائيلي عن ذاك الفلسطيني فكلاهما يؤدي إلى الآخر البعض.
إن تعقيدات المشهد الفلسطيني ليست أمرًا طارئًا على القضية الفلسطينية، إلا أن “القفزة الكبرى بالهواء” التي أفضت إلى محرقة ونكبة فلسطين في غزة ثم بدء مسلسل المذابح والإبادة الجماعية من 17/10/2023 وهو تاريخ “مذبحة المعمداني” يضيف لكل ما سبق في المائة عام الأخيرة بُعدًا لم يكن متخيلًا من حجم التشابك والتعقيد والتداخل في المسارات الثلاثة.
المشهد في فلسطين غريب جدًا؛ ففي مقابل تغول عصابات المستخربين (المستوطنين) وممارسة الإسرائيلي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب اليومية تجد خلافًا فلسطينيًا مُشبعًا بالتناحر، وتجد عقلية الإنكار للمأساة أو الكارثة العظمى، وتجد محاولات شدّ وجذب لافتكاك ولو “عظمة” من وليمة السلطة في فلسطين، فلا يمر عليك يوم إلا وتجد تصريحًا خلّابًا يبهر عيون الأنصار والأعداء! ويزعج المخلصين أيَّما إزعاج. ففي مقابل فشل وطني مدوٍّ رافق “القفزة الكبرى بالهواء” ما زال مَن يطربك بسرد الانتصارات ويعدّ الضحايا دون أدنى خجل أو محاولة للنقد الذاتي على الأقل أو المراجعة التي لن أمَلّ الحديث عنها من قبل أصحاب “القفزة”، وهو ما لا يعفي كل الفصائل من النقد والمراجعة، بما فيها حركة فتح.
المشهد في فلسطين يقتضي حدًّا أدنى من الاعتراف، ثم الاعتذار للشعب والأمة، وما يقابله من مدّ اليد ثم الاتفاق على الحد الأدنى من الأمور على فرضية أن الشدة تؤدي إلى التوافق وليس إلى مزيد من التمزق!
المشهد الفلسطيني معقد بين فصيل يترجم الإنكار إلى سعي عجيب لاقتسام السلطة، وبين آخر أكل عليه الدهر وشرب يحاول أن يطل برأسه، وبين ثالث فقد البوصلة وأصبحت السلطة هي محور تفكيره مرتبطة بتنامي حالة التسلط والاستبداد. وكل ذلك والقضم والضم والتهجير ومسلسل الإبادة الجماعية لا يتوقف.
التعليقات (0)