f 𝕏 W
العقد الاجتماعي الفلسطيني بين سيادة القانون ومتطلبات الصمود

جريدة القدس

سياسة منذ 3 سا 0 7 د قراءة
زيارة المصدر ←

العقد الاجتماعي الفلسطيني بين سيادة القانون ومتطلبات الصمود

الخميس 01 أكتوبر 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

يقصد بالعقد الاجتماعي مجموعة المبادئ والقواعد والقيم التي يقوم عليها التوافق بين أفراد المجتمع والسلطة العامة لتنظيم شؤونهم المشتركة، وتحديد أساس شرعية السلطة وحدود ممارستها، وما يقابلها من حقوق وحريات والتزامات تقع على عاتق الدولة والمواطن، وهو لا يفترض بالضرورة وجود عقد مكتوب بالمعنى القانوني التقليدي، وإنما يعبر عن الإطار الدستوري والقانوني والسياسي الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين المواطنين أنفسهم، ويقوم في الدولة الحديثة على جملة من المرتكزات في مقدمتها سيادة القانون، والمواطنة، والمساواة، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات، والمشاركة والمساءلة ،ومن هذا المنطلق لم يعد العقد الاجتماعي مجرد فكرة فلسفية لتفسير نشأة الدولة أو تبرير وجود السلطة، وإنما أصبح مضمونه حاضرا في المبادئ الدستورية التي تحدد مصدر السلطة وكيفية ممارستها والضمانات المقررة للأفراد في مواجهتها، فجوهر العقد الاجتماعي الحديث يقوم على أن ممارسة السلطة ليست مطلقة، وإنما مقيدة بالقانون، وأن المواطن ليس مجرد متلق لقرارات الدولة، بل هو صاحب حقوق وشريك في الحياة العامة ومصدر للشرعية، وفي المقابل يتحمل ما يفرضه القانون من واجبات والتزامات تجاه المجتمع والدولة، وفي الحالة الفلسطينية يجد هذا المفهوم أساسه في وثيقة إعلان الاستقلال والقانون الأساسي الفلسطيني المعدل، وفي المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري الفلسطيني، وفي مقدمتها أن الشعب مصدر السلطات، وسيادة القانون، والمساواة، وحماية الحقوق والحريات، والفصل بين السلطات وخضوع أعمال السلطة العامة للرقابة والمساءلة، وبذلك يمكن النظر إلى العقد الاجتماعي الفلسطيني باعتباره العلاقة التي يفترض أن تربط المواطن بالمؤسسات العامة على أساس المواطنة والقانون والحقوق والواجبات والثقة المتبادلة، وتكتسب فكرة العقد الاجتماعي أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، لأن هذه العلاقة لم تتطور في ظروف دولة مستقلة مكتملة السيادة، وإنما في ظل واقع سياسي وقانوني شديد التعقيد، يتداخل فيه استمرار الاحتلال وقيوده مع تحديات داخلية تراكمت على مدار سنوات، وفي مقدمتها الانقسام السياسي والمؤسساتي، وتراجع انتظام الحياة الديمقراطية، وما رافق ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية، وصولا إلى الحرب في قطاع غزة وما خلفته من آثار إنسانية واجتماعية وقانونية واسعة، الأمر الذي يجعل النقاش حول مستقبل الحالة الفلسطينية غير مقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما ممتدا إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبين مكونات المجتمع الفلسطيني ذاتها ، ولا يعني الحديث عن إعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني إنشاء نظام دستوري جديد أو تجاوز الأطر القانونية القائمة، وإنما يعني بالدرجة الأولى إعادة تفعيل المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني الفلسطيني، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات، والمشاركة السياسية، وحياد الوظيفة العامة، والمساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص، فوجود النصوص القانونية لا يكفي بذاته لبناء الثقة، وإنما تتشكل هذه الثقة من خلال شعور المواطن بأن القانون يطبق على الجميع، وأن حقوقه لا تتأثر بانتمائه السياسي أو الاجتماعي، وأن القضاء قادر على حمايته، وأن الإدارة العامة تمارس اختصاصاتها لخدمة المصلحة العامة وفي الحدود التي رسمها القانون ، وفي هذا السياق تبرز العدالة الانتقالية باعتبارها أحد المداخل القانونية والمجتمعية المهمة لمعالجة آثار الانقسام والنزاعات، وهي لا تقتصر على المساءلة القضائية، وإنما تمتد إلى كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة المجتمعية، وضمان عدم التكرار، وتحتاج الحالة الفلسطينية إلى تصور خاص للعدالة الانتقالية يراعي خصوصيتها واستمرار الاحتلال، ويميز بين المسؤوليات الناشئة عنه وبين ضرورة معالجة آثار الانقسام الداخلي وما ترتب عليه من أضرار وانتهاكات، وبما يؤدي إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات وبين مكونات المجتمع الفلسطينيولا ينبغي في هذا الإطار أن تكون المصالحة بديلا عن العدالة، كما لا يجوز أن تتحول العدالة إلى وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات السياسية، فالمصالحة المستدامة هي التي تقوم على القانون وتحفظ حقوق المتضررين وتوفر الوسائل المناسبة لجبر الضرر وتعيد الثقة بالمؤسسات وتضمن عدم تكرار الممارسات التي أسهمت في تعميق الانقسام، ومن هنا فإن المصالحة الفلسطينية لا ينبغي أن تظل محصورة في إطار الاتفاق بين القوى السياسية، وإنما يجب أن تمتد إلى مصالحة مجتمعية تعيد الاعتبار للمواطنة باعتبارها الأساس القانوني للحقوق والواجبات .كما يكتسب العقد الاجتماعي في الحالة الفلسطينية بعدا إضافيا يرتبط بصورة مباشرة بالصمود على الأرض، فالصمود لا يتحقق بمجرد مطالبة المواطن بالبقاء، وإنما بتوفير المقومات القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل هذا البقاء ممكنا وكريما، فالحق في التعليم والصحة والعمل والسكن والحماية الاجتماعية والوصول إلى القضاء والمساواة أمام القانون ليست مجرد حقوق فردية منفصلة، وإنما تمثل في السياق الفلسطيني عناصر أساسية لتعزيز قدرة المجتمع على الثبات والاستمرار، ومن هنا فإن حماية الأرض لا يمكن فصلها عن حماية الإنسان الذي يعيش عليها ، ومن هذا المنطلق تصبح سيادة القانون والإدارة الرشيدة والعدالة الاجتماعية أدوات لتعزيز الصمود ذاته، فالمواطن الذي يشعر بأن القانون يحميه، وأن القضاء مستقل، وأن كرامته مصونة، وأن فرصه لا تتحدد وفقا لانتمائه السياسي أو الاجتماعي، وأن الإدارة العامة تتعامل معه على أساس المواطنة والمساواة، يكون أكثر قدرة على الاستقرار والمشاركة في بناء مجتمعه، وبالمقابل فإن الشعور بالتمييز أو غياب العدالة أو انعدام تكافؤ الفرص لا يضعف الثقة بالمؤسسات فقط، وإنما يؤثر في تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات ، وتتجلى أهمية ذلك بصورة أكبر في مرحلة إعادة الإعمار، إذ يجب ألا تقتصر عملية إعادة البناء على المنشآت والبنية التحتية، وإنما ينبغي أن تخضع هي ذاتها لمبادئ المشروعية والشفافية والمساواة والعدالة في توزيع الموارد وجبر الضرر، وأن تضمن مشاركة المتضررين في تحديد الأولويات، وأن توفر آليات واضحة للرقابة والمساءلة والاعتراض على القرارات التي تمس الحقوق، لأن إعادة بناء المؤسسات والمرافق دون استعادة ثقة المواطن بها لن تكون كافية لتحقيق تعاف مجتمعي حقيقي، كما أن إعادة بناء المنزل لا تحقق غايتها كاملة إذا لم تتوافر للأسرة التي ستعيش فيه مقومات التعليم والصحة والعمل والأمن القانوني والحياة الكريمة .إن قوة العقد الاجتماعي لا تقاس بالنصوص التي تقرره فقط، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطن اليومية، فاحترام المشروعية في القرار الإداري، والمساواة في الحصول على الوظيفة والخدمة العامة، واستقلال القضاء، وحماية المال العام، وإتاحة المشاركة في الشأن العام، كلها تطبيقات عملية لفكرة العقد الاجتماعي، وكلما شعر المواطن بأن المؤسسة العامة تمثله وتحمي حقوقه وتخضع هي ذاتها للقانون، ازدادت ثقته بها وتعزز شعوره بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمعه ، وعليه فإن العقد الاجتماعي الفلسطيني المنشود يجب أن يعيد المواطن إلى مركز النظام القانوني، وأن يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وسيادة القانون أساس ممارسة السلطة، والعدالة الانتقالية مدخلا لمعالجة آثار الماضي، والعدالة الاجتماعية أداة لتعزيز الصمود، فالتحدي الفلسطيني في المرحلة المقبلة لا يقتصر على إعادة إعمار ما هدمته الحرب، وإنما يمتد إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة وبين الفلسطيني والفلسطيني، وإذا كان إعمار الأرض ضرورة وطنية، فإن بناء دولة القانون ومجتمع العدالة يشكل أحد أهم الضمانات لاستمرار الإنسان الفلسطيني عليها، فالصمود الحقيقي لا يقوم على مطالبة المواطن بالبقاء فقط، وإنما على بناء نظام قانوني ومجتمعي يمنحه أسباب هذا البقاء ويحفظ له كرامته وحقوقه ومستقبله.

العقد الاجتماعي الفلسطيني بين سيادة القانون ومتطلبات الصمود

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)