لم تكن احتفالات التخرج التي نظمتها الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية حدثاً عادياً في بيئة حرب وقتل وقصف ودمار بفعل حرب الإبادة الجماعية التي يواصلها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.
إن مجرد تفكير قيادة الكلية بهذه الثقافة والعنفوان يعني أن غزة لا يمكن أن تنحني أو تنكسر، وأن حرب التطهير العرقي والقتل الجماعي والتهجير لم ولن تفتَّ في عضد الشعب الفلسطيني، وأن الفلسطيني يحتفظ في صدره بإيمانه الراسخ بالحرية والنصر، ولا ينفك عقله يفكر ويبدع في إرادة الحياة، ليُرسم لوحة جديدة من الصبر والصمود الأسطوري.
الكلية التي دُمّرت مبانيها وقاعاتها ومختبراتها العلمية ومقراتها الإدارية لم تتوقف عن العلم والتعليم في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة في التاريخ البشري، ورغم استشهاد رئيسها الأسبق الدكتور سعيد الزبدة والعشرات من كوادرها الأكاديمية والإدارية، إلا أنها لم تفقد البوصلة ولم تتراجع عن رسالتها ودورها.
حمل هذا الحفل دلالات عميقة تتجاوز كونها مجرد احتفال أكاديمي تقليدي، فحتى اختيار اسمه كان له رمزيته ودلالاته: "فوج العنقاء"؛ وهو الطائر الأسطوري الذي ينهض حياً من بين الرماد، وهو ما يجسد قدرة الكلية وطلابها على الانبعاث وإعادة بناء الذات رغم التدمير الشامل.
التعليم بالنسبة للفلسطيني أساسٌ لحياته؛ يمكن أن يصبر على الملاحقة والجوع والحرمان، لكنه أبداً لا يُضحي بالتعليم مهما كان الثمن، وإن إصرار الكلية على أن تكون أولى الجامعات التي استأنفت المسيرة التعليمية بالتحول إلى التعليم الإلكتروني والمدمج ثم الوجاهي —رغم التحديات التقنية وانقطاع الكهرباء وشبكات الاتصال والنزوح المستمر— يعبر عن التمسك بالحق في التعليم باعتباره أداة أساسية للبقاء، والحفاظ على الهوية والمستقبل، وشكلاً من أشكال الصمود.
مثّل الاحتفال تكريماً رمزياً لشهداء الكلية، وعلى رأسهم رئيسها وموظفوها وطلبتها، وبالكاد تماسك رئيس مجلس الأمناء د. محمد العكلوك وهو يستذكر الشهداء، حتى غالبتْه دموع المحبة والوفاء، مردداً كلمة رئيسها الشهيد قبل اغتياله وعائلته: "لا تقلق يا د. محمد، سنعيد بناء الكلية مهما حدث". كما أثلج صدري ما أكده رئيس الكلية الحالي د. محمد مشتهى حين قال: "إن المؤسسة التي تعرف لماذا وُجدت وتؤمن بما تحمل تستطيع دائماً أن تجد طريقاً جديداً إلى الحياة، ومستقبل الطلبة لا يحتمل الانتظار"، مضيفاً: "إذا لم تعد المباني قادرة على حمل وظائف المؤسسة يحملها الإنسان؛ من المدرس الذي استمر في التدريس، والموظف الذي أعاد ترتيب الخدمة، وحتى الطالب الذي بحث عن الاتصال بالإنترنت ليكمل محاضراته، كل ذلك متوَجاً بالخبرة والمعرفة ورصيد الكلية من الأنظمة الرقمية المساندة، مع القدرة على التنظيم واتخاذ القرار".
التعليقات (0)