ليست كل شهرة دليلا على أثر، وليست كل موجة حضور تعني أن صاحبها ترك بصمة باقية. بين من يصنع الوعي بالكلمة ومن يصنع الحضور بالصورة، تتشكل اليوم أسئلة جديدة حول معنى التأثير الحقيقي: من يكتب الذاكرة فعلا، ومن يمحوه الضجيج؟
في وقت تتصدر فيه "المؤثرات " وصانعات المحتوى المشهد عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتتحول فيه الموضة ومستحضرات التجميل والعلامات التجارية إلى الوقود الأساسي للمحتوى الأكثر انتشارا، قد يبدو من الصعب تخيل زمن كانت فيه المرأة تصنع حضورها وتأثيرها بطريقة مختلفة تماما؛ زمن لم تكن فيه كاميرات الهواتف الذكية ولا أزرار الإعجاب، بل كانت الكلمة هي الوسيلة الأهم للوصول إلى العقول وصناعة الرأي العام.
قبل أكثر من قرن، كانت نساء عربيات يشققن طريقهن إلى المجال العام عبر الصحافة والكتابة والعمل الثقافي، في وقت كان ظهور المرأة فيه استثنائيا ومحاطا بالتحديات. ومن بين هذه الأسماء، برزت السوريتان ماري عجمي ووداد سكاكيني، اللتان تركتا أثرا تجاوز حدود زمانهما، وفتحتا الباب أمام حضور نسائي يقوم على الفكر والمعرفة والمشاركة في قضايا المجتمع.
اليوم، يكفي أن ينشر حساب على «إنستغرام» أو «تيك توك» مقطعا قصيرا حتى يتحول خلال ساعات إلى "تريند " يتداوله الملايين. حدث واحد قد يكفي لصناعة موجة جارفة من التفاعل؛ كما جرى مع صانعة المحتوى نارين بيوتي، حين تحولت تفاصيل حفل زفافها إلى حدث رقمي ضخم، تابع الجمهور خلاله كل اللقطات من الفستان إلى الإطلالة، في مشهد يعكس كيف أصبحت "الصورة " وصناعة اللحظة جزءا أساسيا من تشكيل الاهتمام العام.
في مقابل ذلك، كان المشهد في بدايات القرن العشرين مختلفا بأسره؛ إذ كانت المجلات والصحف هي المساحة الأساسية التي يُصنع فيها الرأي العام وتُطرح من خلالها أسئلة التعليم والثقافة ودور المرأة. كانت المقالة تُقرأ ببطء، وتُناقش بعمق، وتترك أثرا يتراكم مع الوقت. لم تكن المجلات النسائية آنذاك تكتفي بالشؤون اليومية العابرة، بل كانت منبرا لتشكيل الوعي العام وفتح نقاشات مجتمعية غير مسبوقة.
في المشهد الرقمي الراهن, اتسع مفهوم «صناعة المحتوى» بشكل غير مسبوق، حتى باتت أي سيدة تنشر وصفة طعام، أو مقطعا لإعداد الفسيخ، أو فيديو عن المكياج وصبغات الشعر، أو حتى توثق تفاصيل عادية كـ "تحضير سندويش زعتر لطفلها "، تُصنَّف مباشرة ضمن فئة «المؤثرات». لم يعد الشرط هو الفكرة أو الموقف أو الإنتاج الثقافي، بل أصبح معيار الوصول مرتبطا بسرعة الانتشار وإيقاع المشاهدة الخاطف.
التعليقات (0)