بين قيس وليلى وهتلر ومارتن لوثر ، تبدو الرومانسية للوهلة الأولى قصة حب أو حلما جميلا، لكن برنامج "الدحيح" يضعها في سياق أوسع، بوصفها حالة شعورية قد تدفع الإنسان إلى تجاوز الواقع، فتفتح أبواب التغيير أو تقوده إلى الهاوية.
وتنطلق الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) من مفارقة قصة قيس بن الملوح، إذ لا تنتهي حكايته بالاجتماع بحبيبته، بل بانشغاله عن ليلى نفسها بفكرة الحب، فالشاعر، كما يشرح أحمد الغندور، لم يعد متعلقا بالمرأة بقدر تعلقه بمشاعر الاشتياق واللهفة والأمل التي صنعتها قصة الفراق.
ومن هنا يوسّع البرنامج معنى الرومانسية، موضحا أن الكلمة ارتبطت في أصلها باللغات المنحدرة من اللاتينية، قبل أن تتصل بالأدب الذي ابتكر عوالم الفرسان والسحرة والتنانين والمغامرات، كانت تلك الحكايات تمنح المشاعر مساحة أكبر، وتضع الخيال في مواجهة واقع بدا باهتا ومحدودا.
وتتبلور هذه المواجهة مع عصر التنوير الأوروبي، حين صعد التفكير العقلاني والعلمي، وبدأ الإنسان يفسر الطبيعة بقوانين مادية دقيقة، غير أن هذا التقدم حمل معه شعورا بأن العالم يفقد جانبا من غموضه وسحره، لتظهر الرومانسية محاولةً لاستعادة الدهشة والمعنى والمهابة.
ويقدم الغندور لوحة "متجول فوق بحر من الضباب" نموذجا لهذا الاختلاف، فالتفسير العلمي يرى الضباب نتيجة طبيعية للتكاثف والارتفاع بينما تقرؤه الرومانسية باعتباره رمزا لاتساع العالم وحدود المعرفة، وهكذا يصبح ما يحجب الرؤية في التفسير العلمي دليلا على عمق البصيرة.
ويستعين البرنامج بالفيلسوف "جان جاك روسو" لتوضيح هذا التوق إلى الإحساس الخالص بالوجود، ففي إحدى ذكرياته يصف لحظات أعقبت حادث سقوطه وفقدانه الوعي، حين شعر بسعادة غريبة لأنه تحرر مؤقتا من الذاكرة والالتزامات والقلق، وبقي مجرد كائن يشعر بالعالم.
التعليقات (0)