أمد/ في حروب المستقبل، لن تُقاس قوة الجيوش بأعداد الدبابات في الميدان ولا بكثافة الطائرات في السماء، بل بقدرة الدولة على تحويل أقل قدر من المال إلى أكبر قدر ممكن من التأثير العسكري. فالحرب الروسية الأوكرانية، ثم المواجهات اللاحقة بيت التحالف (الأميركي-الاسرائيلي) ضد إيران، لم تكشف فقط عن حجم الدمار الذي يمكن أن تُحدثه الأسلحة، بل كشفت عن تحوّل عميق في فلسفة القوة ذاتها، حيث لم يعد السلاح الأغلى هو بالضرورة الأكثر تأثيرًا، ولم تعد الكلفة العالية ضمانًا للتفوق.
لقد ظهر في قلب هذه الحروب جيل جديد من الأدوات القتالية، بسيط في تكلفته، بالغ في أثره، استطاع أن يهز قواعد عسكرية استقرت لعقود طويلة، وأن يفرض على الجيوش الكبرى إعادة التفكير في معنى التفوق وحدود القوة.
في ساحات القتال بشرق أوروبا، شهد العالم ما يمكن وصفه بـ«ثورة المسيرات»، حيث تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات مساعدة إلى أسلحة رئيسية تشارك في تحديد مصير المعارك. لم يعد دورها مقتصرًا على الاستطلاع، بل أصبحت تضرب أهدافًا دقيقة وتُربك خطوط الإمداد وتفرض على الجيوش إعادة توزيع مواردها الدفاعية.
وكان المشهد الأكثر دلالة هو تدمير معدات عسكرية متطورة، بعضها يُعد من أحدث ما أنتجته الصناعات الدفاعية الكبرى، بواسطة طائرات صغيرة لا تتجاوز تكلفة بعضها بضعة آلاف من الدولارات، في حين تبلغ تكلفة الهدف الذي تدمره ملايين الدولارات. هنا لم يكن الدمار هو المفارقة الحقيقية، بل الفارق الهائل بين كلفة الأداة وكلفة الهدف، وهو فارق أعاد تعريف معادلة الردع التقليدية، وطرح سؤالًا لم يعد بالإمكان تجاهله: كيف يمكن حماية سلاح تبلغ قيمته ملايين الدولارات من أداة زهيدة يمكن إنتاجها بأعداد غير محدودة؟
ولم تكن الحرب على إيران أقل دلالة على هذا التحول، إذ كشفت المعارك عن حدود الاعتماد المستمر على الأسلحة الثقيلة باهظة التكلفة، خاصة في ظل طول أمد العمليات العسكرية. فمع مرور الوقت، تظهر أهمية القدرة على تعويض الخسائر بسرعة وبكلفة منخفضة، وهو ما جعل مفهوم "الاستنزاف الرخيص" يتقدم على فلسفة "الضربة المكلفة". لقد أصبحت الحرب الحديثة معركة نفس طويل، لا تنتصر فيها الضربة الأولى فقط، بل القدرة على الاستمرار في القتال دون انهيار اقتصادي أو صناعي.
غير أن صعود الطائرات المسيّرة لم يُنهِ سباق التسلح، بل أعاد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا. فالدول لم تتخلَّ عن الطائرات المقاتلة أو الصواريخ بعيدة المدى، لكنها بدأت في بناء طبقات جديدة من القوة تقوم على المزج بين السلاح الغالي والسلاح الرخيص. لقد أصبح السباق الحقيقي اليوم ليس في امتلاك منصة قتالية واحدة متفوقة، بل في امتلاك منظومة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والقدرة على الإغراق العددي بأدوات منخفضة الكلفة.
💬 التعليقات (0)