f 𝕏 W
استنهاض الحالة الفلسطينية:
من إدارة الأزمة إلى استعادة الفاعلية

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

استنهاض الحالة الفلسطينية: من إدارة الأزمة إلى استعادة الفاعلية

الأربعاء 30 سبتمبر 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

عقد مركز مسارات مؤتمره السنوي يوم الأحد 27 سبتمبر، تحت عنوان "آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحديات"، وشاركت فيه بمداخلة حملت العنوان نفسه، استنادا إلى دراسة أعدها المركز حول "معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة"، افتتح بها المؤتمر بعرض منهجها وأبرز نتائجها. وتكتسب الدراسة أهميتها من أنها لا تتعامل مع فكرة "التيار الثالث" باعتبارها مجرد إضافة حزب أو قوة جديدة إلى المشهد بين فتح وحماس، بل تربطها بأزمة أعمق تتصل بالتمثيل والشرعية وقدرة الحركة الوطنية على الفعل الجماعي. وهذا يفتح النقاش على سؤال يتجاوز إصلاح النظام ونزع السلاح إلى البحث في شروط الاستنهاض.في تقديري، لا يمكن فهم معضلات التغيير من خلال ديناميات النظام السياسي وحدها، بما فيها الانقسام والحوار والتحالفات والانتخابات وإعادة هيكلة المؤسسات. فهناك متغيرات إقليمية ودولية، والأهم ديناميات المجتمع الفلسطيني نفسه، وعلاقته بالاحتلال، والتحولات الاجتماعية والثقافية، والتوتر بين التفكك وإعادة البناء. ولعل هذه إحدى الثغرات في كثير من مقاربات التغيير، التي تنشغل بالبناء السياسي الفوقي أكثر مما تنشغل بالبناء الاجتماعي التحتي.وقد جاءت حرب الإبادة في غزة لتكشف بصورة قاسية حدود النموذج الذي حكم المرحلة السابقة. فقد بدت السلطة الفلسطينية عاجزة عن التأثير في مسار الحرب أو حماية شعبها، فيما لم تستطع المقاومة المسلحة، رغم تأثيرها في مسار الصراع، توفير حماية للفلسطينيين من الدمار الشامل أو فتح أفق سياسي واضح. ولا يعني ذلك وضع التجربتين في ميزان واحد، وإنما الإقرار بأن الاستمرار في الرهان على أي منهما بصورته السابقة لم يعد كافيا. فقد تداخلت خلال مسيرة الكفاح الفلسطيني مهمات كبرى: التحرر الوطني وبناء الأمة، والبناء الاجتماعي، والمأسسة السياسية؛ ولم تعد إدارة هذه المستويات بالآليات القديمة قادرة على الاستجابة لطبيعة المرحلة. لذلك تبدو الحاجة إلى مراجعة شاملة تفضي إلى استنهاض جديد، لا إلى ترميم ما هو قائم.من هنا يصبح مفهوم استنهاض الحالة الفلسطينية أوسع من إصلاح النظام السياسي أو تشكيل "تيار ثالث". فالحالة الفلسطينية ليست السلطة والفصائل ومنظمة التحرير وحدها، وليست غزة والضفة وحدهما، بل هي الشعب الفلسطيني بكل مكوناته ومواقعه، بما له من إنجازات وإخفاقات. وقد أدى اختزال السياسة في ثنائيات فتح وحماس، وغزة ورام الله، والسلطة والمقاومة، إلى إضعاف المجال الشعبي وتعميق التجزئة السياسية والجغرافية. وفي المقابل، تواصل إسرائيل التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم مجموعات سكانية وملفات منفصلة، بما يعزز الفصل والإدارة والتحكم. ومن ثم فإن أحد شروط الاستنهاض هو إعادة فاعلية الفلسطينيين بوصفهم جماعة سياسية واحدة ذات قضية ومصير وحقوق مشتركة.لهذا لا أرى أن نقطة البداية تكون في إصلاح السلطة وحده، أو في العودة إلى المقاومة المسلحة بوصفها الإجابة الوحيدة، أو في انتخابات تعيد إنتاج المؤسسات وخريطة القوى القائمة. هذه كلها قضايا لا يمكن تجاوزها، لكنها تحتاج إلى سياق وطني واجتماعي جديد، يستند إلى مراجعة نقدية للماضي وحدود المقاربات السابقة. فالانتخابات حق ديمقراطي وأداة ضرورية لتجديد الشرعية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى المدخل الوحيد للتغيير. الأسئلة الأسبق هي: ما طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والمجتمع؟ وكيف يعاد وصل غزة والضفة والقدس والداخل والشتات في إطار وطني جامع؟ وأي نظام سياسي يمكنه أن يستوعب هذه المكونات ويمثلها؟أما الاستنهاض، فلا أقصده كتعبئة عابرة أو دعوة إلى الصمود بمعناه السلبي، وإنما كعملية طويلة وتراكمية للوقوف من جديد والبناء على ما بقي حيا في المجتمع. فقد كشفت الحرب، إلى جانب حجم الانهيار والدمار، عن قدرات واسعة على التضامن والتنظيم والمبادرة والتكيف. غير أن معظم هذه القدرات انشغل بإدارة الاحتياجات والنجاة من الكارثة. والتحدي الآن هو نقلها تدريجيا إلى المجال العام، بحيث تتحول من مجرد قدرة على البقاء إلى قدرة على تنظيم الحياة والدفاع عن المصالح والمشاركة في تقرير المستقبل. وهذا هو جوهر الصمود المجتمعي التحويلي، باعتباره أحد أركان استراتيجية مواجهة الإبادة.ومن هنا تصبح إعادة تشغيل المجتمع المنظم نقطة بداية عملية. حماية السلم الأهلي، وإعادة بناء الثقة، ودعم النقابات والاتحادات والمبادرات الشبابية والنسوية والمهنية، وتعزيز أشكال التنظيم القاعدي، ليست شؤونا اجتماعية منفصلة عن السياسة، بل مكونات لإعادة بناء القوة الوطنية. فالإرادة الشعبية المتشكلة في الأحياء ومراكز الإيواء والمؤسسات والمبادرات المحلية يمكن، إذا وجدت الإطار السياسي المناسب، أن تتحول إلى إرادة عامة ووطنية. ومن هذا التراكم يمكن أن تتبلور تدريجيا كتلة وطنية تاريخية أوسع من مجرد تحالف انتخابي أو تجمع حزبي.لكن البدء من المجتمع لا يعني الانكفاء عن السياسة أو التخلي عن البعد التحرري. استنهاض الحالة الفلسطينية يحتاج إلى ركنين متلازمين: مجتمعي وتحرري (والتركيز في هذه المرحلة على البعد المجتمعي، لا السلطة ولا السلاح). الأول يعيد بناء القدرة على الصمود والتنظيم والمشاركة، والثاني يعيد وصل ذلك بالمشروع الوطني والعدالة والحرية وتقرير المصير. ويشمل ذلك مواصلة التحرك الدولي، ليس فقط لوقف الحرب والإغاثة، وإنما لربط العدالة بالتضامن والتحرر، وتوظيف الرأسمال الإنساني والسياسي المتنامي حول فلسطين في بناء ضغوط سياسية وحقوقية واقتصادية، مع الحفاظ على زخم الاعتراف بالفلسطينيين كشعب له حق تقرير المصير.إن استراتيجية مواجهة الإبادة، بمعناها الأوسع تعني مواجهة مستمرة، متصاعدة، شاملة لا تختزل في السعي إلى وقف القتل والدمار ونزع الشرعية عن جيش الاحتلال وجنرالاته، وإنما تتصدى أيضا لسياسات التهجير والتجويع والتفكيك الاجتماعي ومحو المكان وإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة، بما يقطع الطريق على مخططات حكومة نتنياهو وغاياتها. هذه الاستراتيجية تتطلب حاملا سياسيا مختلفا؛ يعيد صياغة علاقات القوة في المجال السياسي الفلسطيني.ليس في هذا التصور وعد سريع بالخروج من الأزمة، ولا افتراض بأن المجتمع قادر تلقائياً على إنتاج البديل. فالمؤسسات الوطنية تعاني الضعف والانقسام، والمجتمع لم يخرج من حرب مدمرة بعد، والبيئة الإقليمية والدولية شديدة التعقيد. لذلك ينبغي ألا يتحول الحديث عن الاستنهاض إلى تفاؤل إرادوي. لكن صعوبة الطريق لا تبرر الاستسلام لجمود الواقع. ما يمكن البناء عليه هو استعادة المجتمع لدوره، ثم إعادة وصل هذا الدور بالمشروع الوطني والنظام السياسي.بهذا المعنى، لا يعني الاستنهاض مجرد تجديد الديمقراطية أو تغيير المؤسسات، وإنما تجديد وطني أوسع. البداية من المجتمع ليست بديلا عن السياسة، بل محاولة لإعادة بناء السياسة على قاعدة اجتماعية أكثر صلابة. والهدف النهائي هو الانتقال من مجتمع يحاول فقط النجاة من الإبادة إلى مجتمع يحول نجاته وصموده إلى قدرة منظمة على الفعل، ثم إلى قوة سياسية قادرة على استعادة المبادرة والتأثير في شروط الصراع ومستقبل القضية الفلسطينية.

استنهاض الحالة الفلسطينية: من إدارة الأزمة إلى استعادة الفاعلية

أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية

سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي

عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)