قد لا يذكر التاريخ زعيم دولة تعرض لما تعرض له بنيامين نتنياهو من رفض عالمي وذلك في واحدة من أهم المناسبات الأممية، التي تعقد بشكل دوري كل عام، ونقصد بذلك انعقاد الجمعية العامة بحضور رؤساء الدول وقادتها، ليلقوا تباعاً من على منصة الجمعية خطاباتهم التي يستعرضون فيها سياساتهم؛ وذلك بهدف إقناع ليس حكومات وقادة الدول بل شعوبها بأنهم يقودون دولهم بما يتلاءم مع ما تريده الشعوب من أمن وسلام واستقرار دولي.
وربما كان نتنياهو قد تعرض لأسوأ موقف يمكن أن يتعرض له ليس فقط زعيم عالمي بل رئيس حكومة إسرائيلي من قبل، بل حتى بالمقارنة معه شخصياً فإنه يمكننا أن نقول وبثقة إن مشاركته قبل أيام في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة كانت أسوأ مشاركة له وحتى بالمقارنة مع المناسبتين السابقتين اللتين جاءتا خلال الحرب التي ما زالت تشنها إسرائيل على أكثر من دولة في الشرق الأوسط.
قبل كل شيء فإن تقاطع وفود ثمانين دولة كانت في القاعة إلى حين اعتلى نتنياهو منصة الخطابة ثم غادرت عمداً وعلى الملأ، احتجاجاً على وجود الرجل وهذا طبعاً إضافة إلى المتغيبين أصلاً يعني أن وفود بضع دول قد لا يتجاوز عددها نسبة 5% من الدول العضو في المنظمة الدولية هم من استمعوا إليه بما يؤكد بما لا يدع مجالاً لأي شك بأن نتنياهو يمثل في أحسن الأحوال حكومة منبوذة دولية، بما يؤثر على المدى ليس البعيد على مكانة إسرائيل نفسها وكان حال الدول التي غادرت القاعة أثناء إلقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية كلمته أو بالتحديد مجرد أن اعتلى المنصة وقبل أن يبدأ الكلام، يقول كما قال زهران ممداني عمدة نيويورك وكما قال الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان وأكثر من زعيم دولة آخر بأن مكان نتنياهو هو المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وليس جمعية الأمم المتحدة في نيويورك. أخبار ذات صلة قناة عبرية تكشف عن لقاء سري في أبو ظبي جمع نتنياهو بـ"صدام حفتر" حماس: خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة فارغ ومليء بالأكاذيب ويكشف عزلته الدولية
ومن ثم بدا تأثير المقاطعة التي جاءت استجابة لدعوة دولة فلسطين لممارسة هذا الشكل من الرفض لسياسة إسرائيل المتعارضة مع كل المنظومة الدولية، إن كان على المستوى القضائي بعدم الاستجابة لكل قرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات التي توقعها بنفسها أو على المستوى السياسي بالتضاد مع الإجماع والأغلبية الدولية التي تقف ضد الحرب التوسعية والاستعمارية التي تواصل إسرائيل السير عليها إضافة لرفضها تماماً وعدم الاكتفاء بالرفض الكلامي لحل الدولتين الذي تريده كل دول وشعوب العالم، ظهر امتعاض نتنياهو حين خاطب القاعة قبل أن يبدأ كلمته واصفاً مقاطعيه أو رافضي مشاركته بالجبناء أخلاقياً وطالباً ممن وصفهم بمن بقي من الجبناء بأن يعودوا إلى أوطانهم وهذا عملياً هو منطق إسرائيل منذ العقود التي قادها فيها نتنياهو وهو أن يصنع عالماً خاصاً به على مقاسه خاصة في الشرق الأوسط، ثم يطلب من الجميع أن يعيدوا تشكيل أنفسهم بناء على مقاسه أو يغادروه مع أن المنطق والطريق الأسهل والممكن عمليا هو أن يتوافق هو مع الأغلبية مع الآخرين حتى يتعايش معهم خاصة.
على أي حال لم تتوقف مظاهر «نبذ» نتنياهو من قبل المجتمع الدولي عند هذه الحدود وحسب.
فحتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو الزعيم الوحيد في العالم الذي ما زال يقف إلى جانب نتنياهو رغم رفض أكثر من نصف النظام الأميركي لهذا الأمر خاصة ما يخص مواصلة الحرب الاستعمارية التوسعية في الشرق الأوسط، نقصد الحزب الديموقراطي الذي يتداول السلطة باستمرار مع الحزب الجمهوري والذي حتى وهو خارج البيت الأبيض في ولاية ترامب الحالية هو موجود في السلطة التشريعية أي الكونغرس بالنصف تقريباً، أما على الصعيد الشعبي فإن ترامب يمثل أميركا رسمياً لكن مشاركته نتنياهو الحرب في الشرق الأوسط تحوز على تأييد أقل من ثلث الشعب الأميركي.
التعليقات (0)