قد تبدو تربة القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) مكانا يستحيل أن تعيش فيه الكائنات الحية، فهي قاحلة ومتجمدة وشديدة الجفاف خلال معظم أيام السنة، لكن دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في مجلة "بروسيدنغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس " ، تكشف أن مجموعة شائعة بما يكفي من بكتيريا التربة تبدو وكأنها تمتلك هناك مجتمعا خاصا بها.
للوصول إلى هذه النتيجة، فحص باحثون من المعهد التعاوني لأبحاث العلوم البيئية في جامعة كولورادو بولدر بالولايات المتحدة جنسا من البكتيريا يعرف باسم "أرثروباكتر "، وهو جنس من الميكروبات شديدة القدرة على التحمل، وينتشر في أنواع مختلفة من التربة حول العالم، من أنتاركتيكا إلى كولورادو وصولا إلى المناطق المدارية، كما يمكن زراعته بسهولة نسبية في المختبر، وهو ما جعل إجراء الدراسة ممكنا من الناحية العملية.
وبعد مقارنة مئات من عينات التربة المأخوذة من أنتاركتيكا ومناطق أخرى، اكتشف الفريق أن الغالبية العظمى من سلالات "أرثروباكتر " التي تعيش في تربة أنتاركتيكا لم تتطابق مع أي سلالة عُثر عليها في أماكن أخرى شملتها الدراسة، ما يعني أن القارة تؤوي مجموعة من هذه البكتيريا تكاد تكون خاصة بها وحدها، إذ لم يرصد الباحثون معظم سلالاتها في أي مكان آخر على الأرض.
وتقدم هذه النتائج دليلا على أن الكائنات الحية الدقيقة يمكن أن تصبح مقيدة جغرافيا بمناطق محددة، وتتحدى فكرة أن "كل شيء موجود في كل مكان " التي ظل علماء الأحياء الدقيقة يؤمنون بها لعقود، وحظيت بقبول واسع إلى درجة أنها نادرا ما خضعت لاختبار بهذه الصرامة من قبل.
وعلى خلاف الحيوانات والنباتات، افترض الباحثون لسنوات أن الميكروبات تستطيع الانتشار لمسافات بعيدة، والانتقال حول الكوكب بطرق لا تستطيعها أنواع أخرى، حيث تحملها الرياح أو المياه، إذ قد تصعد مع تيار هوائي إلى الغلاف الجوي، أو تنجرف عبر المحيطات محمولة على تيار مائي.
وإذا كانت الأمور تجري فعلا بهذه الطريقة، فمن المفترض ألا يوجد ميكروب في مكان واحد فقط على الأرض دون غيره، لكن نوح فيرير، أستاذ علم البيئة والتطور في جامعة كولورادو بولدر، وزميل المعهد التعاوني لأبحاث العلوم البيئية، الذي شارك في الدراسة، يرى أن هذا الافتراض لا يصمد أمام الأدلة.
التعليقات (0)