بينما تواصل الولايات المتحدة صراعها مع إيران، عادت إلى الواجهة معضلة رافقت القوى الكبرى كلما اتسعت التزاماتها الأمنية الخارجية إلى حد يتجاوز قدرتها على الاستيعاب: كيف تتصرف عندما تتفجر الأزمات في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه، بينما لا تكفي قواتها المنتشرة للاستجابة لها جميعا؟
جاء جزء من الإجابة الصعبة هذه المرة من شرق آسيا، حيث توفر التحالفات الثنائية للولايات المتحدة بنية عسكرية ممتدة. وينتشر في اليابان نحو 54 ألف جندي أمريكي، بينما تستضيف كوريا الجنوبية نحو 28,500 جندي. وقد شرعت واشنطن خلال مراحل مختلفة من الحرب في نقل أصول عسكرية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، بينها حاملة الطائرات "جورج واشنطن"، وبطارية ثاد من كوريا الجنوبية، وألغت تدريبات للإنزال البرمائي مع سيول بحجة وجود قيود على توافر القوات الأمريكية بسبب الحرب في إيران، فيما أمر الرئيس الأمريكي ترمب بتقليص مدة مناورة عسكرية مشتركة سنوية أخرى.
وفي أوروبا تتصدر قضايا مثل حجم الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء ودعم أوكرانيا وضم غرينلاند قائمة الخلافات بين إدارة الرئيس الأمريكي ترمب وأغلب حلفائه الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فيما تحتل الحرب على إيران وحرية الملاحة في مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في غزة والمفاوضات الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، قائمة الاهتمامات الأمريكية في الشرق الأوسط.
"تتزايد مصادر القلق لدى الحليفين الآسيويين الأهم للولايات المتحدة: اليابان وكوريا الجنوبية"
تأتي هذه التطورات بينما تتزايد مصادر القلق لدى الحليفين الآسيويين الأهم للولايات المتحدة: اليابان وكوريا الجنوبية. فاليابان تراقب النشاط العسكري الصيني المتصاعد حول تايوان وبحر شرق الصين، فيما تواجه كوريا الجنوبية دولة نووية إلى شمالها، بالتزامن مع تقارب بيونغ يانغ مع موسكو. كما أضافت حرب إيران بُعدا آخر، إذ أربكت أسواق الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الآسيوية، ما يتطلب استعراض حالة التحالفين الأمريكي الياباني، والأمريكي الكوري الجنوبي، مع تناول جذورهما التاريخية، والتطورات الخاصة تحت الولاية الثانية للرئيس ترمب، والملفات الشائكة المشتركة، والجدل حول موثوقية الضمانات الأمريكية.
تأسس التحالف الأمريكي الياباني عمليا عقب انتهاء الاحتلال الأمريكي لليابان، الذي امتد من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي على معاهدة السلام مع طوكيو عام 1952. ومع تصاعد المواجهة مع الاتحاد السوفياتي، أصبحت اليابان حصنا إستراتيجيا للولايات المتحدة في المحيط الهادي، وهو الدور الذي واصلت تأديته بعد انتهاء الحرب الباردة مع بروز التهديد الكوري الشمالي وصعود الصين.
التعليقات (0)