الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ( 1926_ 1984 ) منح المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935_ 2003 ) شيئًا حاسمًا في بناء مشروعه، وهو طريقة جديدة للسؤال عن المعرفة نفسها. مِن أين تأتي؟، ومَن يملك حقَّ إنتاجها؟، وكيف تتحول إلى حقيقة مُعترَف بها؟، ومتى تصبح المعرفةُ وسيلة لتنظيم البشر وتصنيفهم والسيطرة عليهم؟.
أقرَّ سعيد بتأثير فوكو في مشروعه، ولا سِيَّما أفكاره المتعلقة بالخطاب والعلاقةِ بين المعرفة والسُّلطة. وتأثيرُ فوكو كان قويًّا بصورة خاصة في بناء الإطار النظري للاستشراق، قبل أن يبدأ سعيد لاحقًا في الابتعاد عن بعض نتائج فوكو الفلسفية. وهُنا بالضبط تكمن أهمية العلاقة بينهما، سعيد لَم يُكرِّر فوكو، لقد أخذ أدواته، ونقلها إلى تاريخ الاستعمار والتمثيل الثقافي، ثم أعادَ توجيهها لخدمة مشروع مختلف.
قبل فوكو، كان من الممكن أن يُنظَر إلى المعرفة، وخصوصًا المعرفة الأكاديمية، باعتبارها نشاطًا يهدف إلى اكتشاف الحقيقة. الباحثُ يدرس موضوعًا، ويجمع المعلومات، ويُحلِّلها، ثم يصل إلى نتائج يُفْتَرَض أنها مستقلة عن علاقات القوة. لكنَّ فوكو جعل المسألة أكثر تعقيدًا.
لم يتعامل فوكو معَ المعرفة بوصفها شيئًا محايدًا يقف خارج التاريخ والمجتمع. كان مهتمًّا بالشروط التي تجعل نوعًا مُعَيَّنًا من الكلام ممكنًا، وتجعل بعضَ الأقوال تبدو عِلمية ومعقولة ومشروعة، بينما تُستبعَد أقوال أُخرى، أوْ تُدفَع إلى الهامش. وهُنا ظهر مفهوم الخطاب بوصفه أكثر من مجرد مجموعة من الكلمات أو النصوص، إنَّه منظومة من القواعد والمفاهيم والمؤسسات والممارسات التي تُحدِّد، في فترة تاريخية مُعيَّنة، ما الذي يمكن قَوله، وكيف يمكن قَوله، ومَن يملك سُلطة قَوله.
وهذه النقلة الفكرية كانت شديدة الأهمية بالنسبة إلى سعيد، لأنَّ السؤال لَم يعد: هل كان المستشرق الفُلاني منصفًا في وصف الشرق أمْ لا؟، بل أصبح: كيف أمكنَ أصلًا أن يتشكل نظام معرفي كامل اسمه "الشرق" بحيث يبدو قابلًا للوصف والتصنيف والتفسير من موقع غربي؟. وهُنا تبدأ المسافة بين سعيد وكثير من النقد التقليدي للاستشراق.
التعليقات (0)