أعلنت وزارة المالية والتخطيط مؤخرًا أرقامًا لافتة في ملف صافي الإقراض، أحد أكثر الملفات استنزافًا للمالية العامة الفلسطينية خلال السنوات الماضية. فقد شملت التسويات 170 هيئة محلية، وأسهمت في خفض مديونيتها بنحو 360.7 مليون شيكل، من 1.84 مليار إلى 1.48 مليار شيكل، إلى جانب جدولة ديون 167 هيئة محلية وتخفيض إضافي بقيمة 46 مليون شيكل. كما أبرمت الوزارة تسويات مع سبع شركات رئيسية لتوزيع الكهرباء والمياه، قالت إنها خفضت صافي الإقراض بنحو 1.6 مليار شيكل، إلى جانب ترتيب تحصيل ما يقارب 1.5 مليار شيكل عبر شيكات آجلة وحوالات بنكية مجدولة على سنوات.
الأرقام كبيرة، والاتجاه إيجابي، لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس: كم مليارًا جرت تسويته؟ بل كم شيكلًا من هذه التسويات أصبح سيولة فعلية متاحة للخزينة؟ والسؤال الذي سيطرحه الموظف بصورة أكثر مباشرة: هل يمكن أن يؤدي خفض صافي الإقراض إلى زيادة نسبة الرواتب؟
ما هو صافي الإقراض أصلًا؟ أخبار ذات صلة الأسيرة صافي تكشف أوضاعًا قاسية للأسيرات في سجن الدامون مالية رام الله تعلن موعد صرف رواتب الموظفين شهر حزيران
المصطلح يبدو معقدًا، لكن فكرته أبسط مما يوحي اسمه. عندما لا تسدد بعض الهيئات المحلية وشركات التوزيع التزاماتها مقابل الكهرباء والمياه، تتحمل الخزينة العامة جزءًا منها، غالبًا عبر اقتطاعات من إيرادات المقاصة، وهي آلية وثّقها البنك الدولي تاريخيًا في قطاع الكهرباء تحديدًا. أي أن الخزينة تتحمل تكلفة خدمة لم تكن هي المستهلك النهائي لها، وتخسر بذلك موارد تحتاجها أصلًا للرواتب والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. لذلك فإن إصلاح هذا الملف لا يحتاج بالضرورة أموالًا جديدة من الخارج؛ فمنع نزيف شيكل كان سيُحمّل على الخزينة يحسن وضعها المالي، تمامًا كما أن انتظام التحصيل يضيف إلى تدفقاتها النقدية، وإن اختلف الأثر والتوقيت بين الحالتين.
1.5 مليار شيكل... هل دخلت الخزينة؟
هنا يجب التفريق بين ثلاث مصطلحات: التسوية، والجدولة، والتحصيل النقدي. فحين تقول الوزارة إن تسوياتها مع شركات التوزيع خفضت صافي الإقراض بنحو 1.6 مليار شيكل، لا يعني ذلك بالضرورة أن هذا المبلغ نقدًا دخل حساب الخزينة. وكذلك فإن رقم التحصيل البالغ 1.5 مليار شيكل يحتاج قراءة دقيقة، لأن السداد يجري عبر شيكات آجلة وحوالات مجدولة على سنوات ممتدة، والفرق جوهري: فالشيك المستحق بعد عام ليس سيولة تدفع منها الحكومة راتب هذا الشهر. لذلك فإن الرقم الذي يحتاجه المواطن وصانع القرار ليس القيمة الاسمية للتسويات، بل التدفق النقدي الفعلي الناتج عنها: كم دخل فعليًا؟ وكم سيدخل شهريًا خلال العام المقبل؟
التعليقات (0)