ليست الصدفة هي التي جعلت هجمات المستوطنين تتنقل كالنار في الهشيم بين قرى شرق رام الله وجنوب نابلس في آن واحد. فمن اقتحام قرية أبو فلاح وحرق مركبة ومحاولة إحراق منزل على أصحابه، إلى الاعتداء المتزامن الذي طال قرية جالود، وصولاً إلى ليلة الرعب في قرية المغير؛ حيث أُحرقت ست مركبات ونال المنزل الذي خُطّت عليه الشعارات نصيبه من الحرق الجزئي.. كل شيء يفصح عن خطة متكاملة المعالم، لا تكتفي بفرض واقع ميداني أو مصادرة مساحة جغرافية، بل تسعى بشكل صريح إلى اقتلاع الوجود الفلسطيني برمتِه من هذه القرى.
غير أن التطور الأشد إيلاماً وخطورة في مجريات أحداث المغير، لا يقف عند حدود النيران التي التهمت الحديد والشجر والحجر، بل يتجلى في العبارة التي خُطت بالعبري تحت نافذة المنزل المحترق جزئياً: "לא מפרקים סוכה" (لا نُفكّك العريشة).
هنا تحديداً، نكون أمام لحظة مكشوفة من السقوط الأخلاقي؛ حيث يُستجلب النص والرمز الديني قسراً لشرعنة الجريمة، وتُغلف محاولات التطهير العرقي بلبوس عقائدي "مقدس". أخبار ذات صلة أولمرت يصف ما يجري في الضفة بـ"التطهير العرقي" المدعوم حكوميا
مسخ الطقس العبادي إلى سلاح أيديولوجي
تزامن هذا الهجوم مع عيد العرش (سوكوت)، وهو المناسبة التي يقيم فيها اليهود عريشة مؤقتة ("السوكة") تُستخدم للطقوس والتعبّد، ويُحظر في الفقه التلمودي تفكيكها طوال أيام العيد السبعة. غير أن هؤلاء المتطرفين لم يتعاملوا مع "السوكة" كرمز ديني للعباده أو الإيمان، بل قاموا بتجريدها من معناها الأخلاقي وتطويعها كسلاح أيديولوجي وميداني حاد.
لقد قاموا بسحب هذا المحظور الديني المتعلق بالعريشة وإسقاطه مجازياً على وجودهم الاستيطاني، وعلى البؤر والخيام التي ينصبونها على أراضي القرى. وبدلاً من أن تكون العريشة طقساً تعبدياً مؤقتاً، أصبحت شعاراً لإضفاء "القدسية" على الباطل؛ وكأن حرق المنازل والمركبات، وإرهاب الأطفال، والتضييق على القرى، والاعتداء على الزيتون، أضحت مجتمعة "واجبات إلهية" يُحرم التراجع عنها أو تفكيكها.
التعليقات (0)