الثّلاثاء 29 سبتمبر 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس
لم نكن في يوم من الأيام كفلسطينيين، في أمسّ الحاجة للرجوع إلى تاريخنا وتراثنا كمثل هذه الأيام. إن الالتفات إلى الجذور في أوقات المحن ليس مجرد رفاهية فكرية أو حنين عاطفي إلى الماضي، بل هو استدعاء لأقوى أسلحة البقاء؛ فتراثنا الفلسطيني الغني مليء بعناصر المقاومة والصمود ومحاربة الغُزاة المستعمرين، وهو مخزن الاستراتيجيات الشعبية التي مكنت هذا الشعب من البقاء على أرضه حياً عزيزاً، ومتجذراً رغم توالي النكبات والمؤامرات.ونحن اليوم نقف على أعتاب موسم جديد من مواسمنا الوطنية والروحية الشاهدة على هذا الثبات، مواسمنا التي ارتبطت بالأرض أولاً وآخيراً؛ موسم قطف الزيتون. هذا الموسم الذي نحتفل به كل عام ليس مجرد نشاط زراعي أو مصدر رزق اقتصادي فحسب، فهو لدينا عظيم ومقدس، ومكانته تتجاوز حسابات الأرباح والخسائر المادية في التجارة العادية بين الناس. لقد ورثنا قدسية هذا الموسم وعظمته عن ديننا الحنيف وقرآننا العظيم، قبل أن نرثه عن آبائنا وأجدادنا؛ فقد أقسم الحق سبحانه وتعالى بهذه الشجرة المباركة في محكم تنزيله حين قال: "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين"، فاقترن ذكر الزيتون بالبلد الأمين ليؤكد للعالم أجمع أن أرضنا مقدسة ومباركة، وأن شجرها يحمل ميثاقاً إلهياً لا يملكه غاصب أو عابر.في هذا العام، المؤشرات الميدانية والواقع المعيشي يقولان بوضوح بأن موسمنا سوف يكون مختلفاً عن كل الأعوام السابقة، بل ربما يكون الأكثر استثنائية وتعقيداً ودموية. فقد جهز المستوطنون وقوات الاحتلال له تجهيزاً مختلفاً، عبر تصعيد وتيرة الاعتداءات، ومصادرة الأراضي، وإغلاق الطرق، وتهديد المزارعين بلقمة عيشهم وأرواحهم، وما قاموا به أخيرا في زيتون بيت عور وبيت ريما قد تجاوز كل الخطوط الحمراء وارتقى إلى أعلى درجات جرائم ومجازر إبادة الشجر، بهدف تحويل هذا العرس الوطني إلى ساحة مواجهة وتضييق، ليكون من أصعب المواسم علينا في تاريخنا الحديث.أمام هذا التحدي الوجودي الشرس، لا نملك خياراً سوى المواجهة والتحدي، ونحن يجب علينا أن نعود إلى تاريخنا التراثي الذي ينجح في كل مرة كلما عدنا إليه. فنحن بحاجة ماسة إلى تراثنا ليس كفلكلور نغنيه، بل كمنهج حياة وأداة كفاحية تجمع الشتات وتنظم الصفوف. وهنا يبرز المفهوم الأسمى للتكافل الفلسطيني: "العونة"."العونة" هي القيمة التراثية والإنسانية الأصيلة التي مورست على طول التاريخ الفلسطيني وعلى كل الجغرافيا الفلسطينية؛ من جبال الجليل شمالاً إلى تلال الخليل جنوباً، ومن سواحل يافا وغزة إلى أغوار أريحا. هي تلك الفزعة الجماعية والهبة الأخوية التي يتداعى فيها الجيران والأقارب، بل وأبناء المدن والمخيمات المجاورة، لمساندة المزارع في أرضه، تجسيداً حياً للأمر الإلهي: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".إن "العونة" في موسم الزيتون هذا العام لم تعد مجرد خيار تطوعي، بل هي واجب وطني وفريضة شرعية تفرضها طبيعة المرحلة. عندما تتوجه جحافل المتطوعين من شباب وشابات، وطلبة جامعات، وموظفين، ونشطاء إلى الحقول والبلدات المستهدفة، فإنهم يرسلون رسالة واضحة للاحتلال ومستوطنيه بأن المزارع الفلسطيني ليس وحده في الميدان. إن تكامل السواعد في قطف الثمار، وحمل الأكياس، وحراسة الأرض، يشكل درعاً بشرياً يحمي الشجر والحجر، ويفشل مخططات الترهيب التي يمارسها المستعمرون لعزل الفلاح وإجباره على ترك أرضه نهباً للاستيطان.لتفعيل "العونة" هذا العام بشكل يحاكي حجم التحدي، يتطلب الأمر تضافر الجهود على مستويات عدة منها:• التنسيق الأهلي والمحلي: من خلال تشكيل لجان حراسة وفزعات جاهزة ومرابطة في كل قرية وبلدة، لتنظيم جداول مؤازرة للعائلات التي تقع أراضيها خلف الجدار أو بمحاذاة المستوطنات.• النفير الشبابي والطلابي حركياً: بانخراط الأطر الطلابية والشبابية في حملات قطف جماعية مكثفة، وتحويل أيام العطل إلى تظاهرات عمل وبناء في الحقول الشجرية.• التكافل الاقتصادي والمعنوي: بتقديم الدعم للمزارعين الذين يتعرضون لخسائر أو سرقات من قبل المستوطنين، لضمان تعزيز صمودهم وثباتهم على الأرض.إن شجرة الزيتون الفلسطينية، بجذورها الضاربة في أعماق الأرض لخمسة آلاف عام وأكثر، تشبه تماماً الإنسان الفلسطيني في عناده وصموده. يقطعون أغصانها فتنبت غراساً جديدة، ويحرقون جذعها فيتشبث جذرها بالتراب ليعلن الحياة من جديد. ومثلما صمدت هذه الشجرة عبر القرون في وجه الغزاة، سيصمد الفلاح الفلسطيني بفضل وعيه، وإيمانه، وتمسكه بقيم "العونة" والتكافل.ليكن شعارنا هذا العام ومحركنا الأساسي في كل حقل ووادي هو "وتعاونوا على البر والتقوى". لنجعل من موسم الزيتون الحالي ملحمة جديدة من ملاحم الصمود والتحدي، ولنثبت للعالم أجمع أن الأرض فلسطينية، والزيت فلسطيني، وأن جذورنا أعمق بكثير من غطرستهم، وأن العونة الفلسطينية هي السد المنيع الذي تتحطم عليه كل مؤامرات الاقتلاع والتهجير.جاء موسم الزيتون في موعده قويا هذا العام، دون أن يستأذن عدوا، ودون أن يخشاه، وسوف ينقضي ويمر، وتنتهي أطنان حبوب الزيتون إلى قناطير من قطرات الزيت المقدس المضيء، الذي مُسح به من قبل على جسد المسيح الشريف – عيس ابن مريم عليه السلام، ويجدد للشعب الفلسطيني ذاكرته الزراعية العنيدة، ويُدخل إلى أجيال طفولة جديدة طقوسا اجتماعية، تؤسس لهم وعيا مبكرا وثقافة جديدة وعشقا خالدا لهذه الشجرة الخضراء دائما. جاء الموسم على قاطفات الزيتون من نساء فلسطين، كي يكملن حديثا توارثنه منذ آلاف السنين على مسمع صبايا كبرن عاما، وطفلات وأطفال سوف يتسابقون في ملء مواعينهم الصغيرة لأول مرة، ورغم كل شيء سوف يبقى هذا الموسم جميلا على كل ارتفاعات الأرض الفلسطينية. جاء الزيتون وحضر معه الزعرور هدية للصغار والكبار، في أراضٍ جبلية كثيرة، جاء الزيتون كما في كل عام بعد انقضاء موسم العنب والتين، وما تركاه من نصيب لقاطفي الزيتون كأجمل الهدايا، جاء الزيتون برائحة الزيت لتعانق رائحة خل العنب في أجمل عناق بين الثمار، حتى حسبنا أن الشاعر العباسي بشار بن برد كان في زيارة لبيت المقدس واستعاد بصره ومر على قاطفي الزيتون بمحاذاة العنب عندما قال "رباب ربة البيتِ ......... تصب الخل في الزيتِ”.
العونة المرجوة هذا العام في موسم الزيتون الفلسطيني: وتعاونوا على البر والتقوى
د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)