بين خيمة يطاردها القصف والجوع، وذاكرة فلسطينية لا تكف عن استدعاء موتاها، ينهض صوت إبراهيم في رواية "آخر العنقود (مذكرات رجل مات كثيرًا)" للكاتبة الأردنية رحمة عوينة، الصادرة حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، في سرد طويل النفس يزاوج بين الحكاية والذاكرة والتأمل، ويضع القارئ في قلب التفاصيل اليومية لحياة الغزيين تحت الحرب، حيث يصبح الموت إقامة دائمة، فيما تتحول الحياة إلى فعل مقاومة وتأجيل مستمر للفناء.
وصمّم غلاف الرواية الفنان والشاعر عيد بنات، وتأتي في 486 صفحة، وتتخذ من إبراهيم راوياً وشاهداً على سيرة عائلة فلسطينية حملت النكبة من جيل إلى جيل. ومن الحاضر الغزي المثقل بالخراب، تستعيد الرواية طفولته وشبابه، وتجربة اعتقاله في السجون الإسرائيلية، ودراسته في العراق، وحبه القديم لليلى، وصولًا إلى الحرب التي تعيد ترتيب حياته وعلاقاته وأسئلته حول الهوية والنجاة والموت.
وتحتل سنابل موقعًا دلاليًا محوريًا في الحكاية؛ فهي ابنة إبراهيم، و"آخر العنقود" في أحد مستويات الرواية، كما يحيل اسمها إلى السنبلة التي تموت لتملأ الدنيا سنابل. ومن هنا يتشكل أحد الخيوط الرمزية الأساسية في العمل: عائلة تتناقص بفعل الموت، لكنها تظل متمسكة بفكرة الامتداد والحياة.
ولا تسير الرواية في خط زمني مستقيم، إذ تعتمد عوينة على الاسترجاع والتنقل بين الأزمنة، فتتداخل ذاكرة الطفولة مع تجربة السجن، والحب القديم مع الحرب الراهنة، وتتكشف الحكاية تدريجيًا من خلال مذكرات وذكريات ووثائق ورسائل وحوارات ومونولوجات داخلية. ويمنح هذا التشظي السردي الرواية شكلًا يتناسب مع عنوانها الفرعي، "مذكرات رجل مات كثيرًا"، فإبراهيم لا يستعيد حياته بقدر ما يحاول إنقاذها من النسيان.
وفي الحرب، تبتعد الرواية عن المشاهد الكبرى وحدها، لتنحاز إلى التفاصيل اليومية التي تكشف اتساع المأساة: البحث عن الماء والطعام والوقود، انتظار المساعدات، الخيام، البرد، المرض، والجوع. وتستثمر عوينة المفارقة والسخرية السوداء لتخفيف وطأة الواقع دون إخفاء قسوته، فتحول بعض الأشياء الهامشية إلى عناصر دالة في الصراع على البقاء.
ومن أكثر مسارات الرواية إيلامًا تجربة رحاب، التي تختفي أثناء بحثها عن الطحين ثم تعود حاملة أثرًا بالغ القسوة من الحرب، قبل أن تنتهي حياتها بالموت، فيما يواجه إبراهيم وسنابل فراغًا جديدًا. كما تتبع الرواية قصة طارق، ابن إبراهيم، الذي يلتحق بالمقاومة ويصبح مقاتلًا في الأنفاق ثم أسيرًا، ومن خلال قصته تفتح الرواية نقاشًا داخليًا حول المقاومة والقرار السياسي وثمن الحرب، من خلال حوارات لا تقدم إجابات أحادية بقدر ما تضع الشخصيات أمام أسئلتها المتناقضة.
التعليقات (0)