خلاصة القول: لم يحظ موعد انتخابي فلسطيني بشكوك قدر الانتخابات التشريعية العتيدة في 28 تشرين الثاني 2026. فباب الترشح، بعد تمديده، مفتوح حتى الثالث عشر من تشرين الأول، والقوائم تتزاحم على أبواب لجنة الانتخابات، بينما يُبحث في الغرف المغلقة عن مخرج لائق من الموعد. ومع ذلك أزعم أن تشبّث الرئيس بعقد الانتخابات، حتى لو منعها الاحتلال في نهاية المطاف، هو طوق النجاة الأخير للنظام السياسي القائم نفسه. فالانتخابات لم تعد استحقاقاً ديمقراطياً مؤجلاً فحسب، بل شرط بقاء لنظام يغرق في أزمة شرعية منذ عشرين عاماً، والتفريط فيها خطيئة لن يغفرها لنا الناس ولا التاريخ.
بينما تتعمق مأساة المواطنين في انكشاف أمنهم وأمانهم في ظل حرب المستوطنين علينا جميعاً، يشتد الحراك وتوليد قوائم المرشحين في السجل الانتخابي، ويتواصل الاصطفاف بين مختلف أجنحة فتح للنصر في اليوم الأغر. وفي هذه الأثناء تولد البؤر الاستيطانية كزخ المطر، وتتوسع المستوطنات، وتُغلق الطرق، وتكبر حواجز الخنق وتقطيع الأوصال، ويأمل أشباه القادة، أو يتصنعون الأمل، بمعجزة تؤدي إلى منع الانتخابات. قناعتي، منذ كتبتُ في آب أن هذا الاستحقاق ما زال يبدو "أضغاث أحلام"، أن الانتخابات لن تجري، وأسأل الله أن أكون مخطئاً. وعلى الرغم من ذلك، آمل أن يتشبث الرئيس بعقدها. فلا ذرائع لتأجيلها، وهي طوق نجاتنا كمدخل للتغيير، وربما لم الشمل الوطني. غير أنني أعتقد أن إسرائيل لن تسمح بها، إمعاناً في خنق حماس بكل الوسائل، وتخفيض السقف السياسي، وتعميق الفجوز بين القيادة وشعبها، ناهيك أن في معسكر الشرعية من لا يرغب بعقدها خوفاً لأسباب مختلفة.
السؤال: هل يريد الناس الصندوق؟ نعم، وبإلحاح لم نعهده منذ سنوات. ففي استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية مطلع آب، قال 49% إن الانتخابات ستجري في موعدها، بينما كانت الأغلبية قبل عشرة أشهر فقط لا تصدّق أن السلطة تنوي إجراءها أصلاً. وقال 54% إن الانتخابات يجب أن تجري حتى لو منعت إسرائيل الاقتراع في القدس الشرقية، لأن المقدسيين يستطيعون التصويت في أي مركز بالضفة. أي أن الناس يرون في القدس معركة تُخاض بالصندوق، لا ذريعة لإغلاقه. لا أقرأ هذا الإلحاح شغفاً بالديمقراطية بقدر ما أقرؤه ضيقاً بالحال. فالاستطلاع ذاته يقول إن 79% يريدون استقالة الرئيس، وإن 65% يرون السلطة عبئاً على شعبها لا إنجازاً له. شعب يقول هذا عن قيادته ثم يطلب الصندوق لا يطلب ترفاً، بل يرمي لنظامه السياسي طوق النجاة الأخير؛ التغيير دون كسر. ومن يرفض الطوق يدفع الناس إلى البحث عن بوابات أخرى، لا أظن أن أحداً منا يريد أن يراها.
غير أن الأيدي التي تدفع الطوق بعيداً، تمتد من داخل بيتنا قبل أن تمتد من تل أبيب. فمن أروقة مركزية فتح تتسرب توصية بالتأجيل إلى صيف العام المقبل، في صيغة "تقنية" تعلن فيها لجنة الانتخابات عجزها عن الاقتراع في القدس وغزة، فيبدو التأجيل قدراً لا قراراً. وحماس، التي أعلن رئيسها خليل الحية عزمها خوض الانتخابات ضمن تحالف، يبدو أنها تتمنى في السر ما ترفضه في العلن، كما تهمس الجبهة الشعبية بالطلب ذاته. وبظني، الخوف من الصندوق عابر للفصائل، وكلٌّ يخشى أن يكشف حجمه الحقيقي.
ولم يبدّد بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في 25 أيلول هذا الغموض، بل كرّسه بلغة القانون. تمسكت اللجنة بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت مشاركة المواطنين فيها جميعاً، وتزامن الاقتراع "شرطين أساسيين لوحدة العملية الانتخابية". إن التمسك بالقدس وغزة موقف وطني لا غبار عليه، لكنني لا أستبعد أن يصير شرط التزامن نفسه الباب الذي يخرج منه التأجيل، فيكفي أن يتعذر الاقتراع في القدس أو غزة حتى يسقط الشرط، ويسقط معه الموعد، دون أن يوقّع أحد على قرار. وليست القدس بلا بدائل؛ فحتى أن الكاتب الإسرائيلي كغيرشون باسكين يقترح الاقتراع الإلكتروني والبعثات الدبلوماسية سبيلاً لضمان صوت المقدسيين. فهل نكون أقل حرصاً على هذا الصوت منه؟.
أما في فتح، فالخوف له أسماء. فالقائمة الرسمية تخشى ازدحام القوائم الفتحاوية الأخرى، ومنها قائمة يُرجَّح أن يدعمها مروان البرغوثي أو تدعي ذلك، وأخرى يسندها تيار الإصلاح. وجاء خفض نسبة الحسم قانوناً إلى 1% ليفتح الباب أمام عشرات القوائم العائلية والعشائرية وقوائم المال، ليتحول الاستحقاق الوطني إلى ما يشبه انتخابات بلدية موسّعة. وحيث أنه لم يُثمر أول لقاء علني بين الحركة وتيار دحلان في آب عن شيء يُذكر، فإن عدم تجاوز معضلات التمثيل الفتحاوي على الأرض، فسيفتح الباب على مصراعية للمزيد من الشرذمة التي نخشاها، وعلى الأرجح أنها ستبقى وتتعاظم، صوّتنا أم لم نصوّت، وكل ما يفعله التأجيل أنه يخفيها تحت السجادة إلى حين.
التعليقات (0)