تدخل الأسواق العالمية أسبوعا قد يكون من أكثر أسابيع الخريف حساسية لمسار السياسة النقدية، ليس لأن الاقتصاد الأمريكي يواجه خطر ركود وشيك، بل للمفارقة المعاكسة تماما، وهي أن يثبت أنه أقوى مما يحتاج إليه الاحتياطي الفدرالي في معركته مع التضخم، فيدفعه ذلك إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق.
المعادلة التي تواجه المستثمرين لم تعد محصورة في مسألة قوة النمو الأمريكي، بل إن المشكلة أن استمرار متانة سوق العمل والإنفاق بالتزامن مع تضخم يتراجع ببطء قد يحول قوة الاقتصاد نفسها إلى مصدر ضغط، عبر إبقاء السياسة النقدية مقيدة، ودفع عوائد السندات والدولار إلى مستويات أعلى، ثم نقل هذه الموجة إلى تكلفة التمويل وأسعار الأصول والعملات والسلع خارج الولايات المتحدة، بما في ذلك الاقتصادات العربية.
وتتركز الأنظار على تقرير الوظائف لسبتمبر/أيلول، المقرر صدوره الجمعة الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، وبيانات نفقات الاستهلاك الشخصي المقرر صدورها الأربعاء، إلى جانب بيانات فرص العمل. وتضع هذه الأرقام الأسواق أمام اختبار مباشر لمعرفة إذا ما كان رفع الفائدة الأمريكية في سبتمبر/أيلول بداية دورة تشديد جديدة أم خطوة يمكن للاحتياطي الفدرالي أن يتوقف بعدها مؤقتا.
وكان الاحتياطي الفدرالي قد رفع يوم 16 سبتمبر/أيلول نطاق الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 3.75%–4%، في أول زيادة منذ 3 سنوات، مشيرا إلى أن النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية وأن الإنفاق المحلي لا يزال متماسكا، بينما يبقى التضخم مرتفعا.
تتوقع استطلاعات رويترز أن يضيف الاقتصاد الأمريكي نحو 100 ألف وظيفة في سبتمبر/أيلول، مع ارتفاع البطالة إلى نحو 4.2%. وتأتي التوقعات بعد مفاجأة قوية في أغسطس/آب، عندما أضاف الاقتصاد 162 ألف وظيفة، مقابل 21 ألفا فقط في يوليو/تموز، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%. وتكشف المقارنة عن سوق عمل تحسن بقوة بعد فترة من الضعف، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات عودة طفرة التوظيف، خصوصا أن متوسط الزيادة الشهرية خلال الـ12 شهرا السابقة لم يتجاوز نحو 31 ألف وظيفة.
لهذا السبب لن يتوقف تقييم الأسواق عند الرقم الرئيسي؛ مراجعات بيانات الأشهر السابقة، ونمو الأجور، ومعدل المشاركة في سوق العمل، وساعات العمل، وتوزيع الوظائف بين القطاعين الخاص والحكومي قد تكون أكثر أهمية في تحديد الرسالة النقدية للتقرير.
التعليقات (0)