f 𝕏 W
أي حماية للصحفي الفلسطيني؟ حين تصبح الكاميرا شاهدة والدم ثمناً للحقيقة

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 1 17 د قراءة
زيارة المصدر ←

أي حماية للصحفي الفلسطيني؟ حين تصبح الكاميرا شاهدة والدم ثمناً للحقيقة

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
في اليوم العالمي لحماية الصحفي الفلسطيني، يسلط المقال الضوء على التحديات الجسيمة التي يواجهها الصحفيون الفلسطينيون، حيث لا يقتصر دورهم على نقل الأخبار بل يصبحون شهودًا على الاحتلال وحراسًا للحقيقة. يتعرض هؤلاء الصحفيون للاعتقال والتهديد والاعتداء والقتل، وتصبح كاميراتهم وأقلامهم أدوات لتوثيق الواقع وحفظ الذاكرة الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس.
أبرز النقاط

الإثنين 28 سبتمبر 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

في اليوم العالمي لحماية الصحفي الفلسطيني، يقف الصحفي الفلسطيني أمام العالم لا بوصفه رقما جديدا في قوائم الضحايا، ولا باعتباره مهنة من المهن التي تحتاج إلى حماية في أوقات الحرب فقط، وإنما بوصفه شاهدا على واحدة من أطول قضايا الاحتلال في التاريخ الحديث، وحارسا لرواية شعب حاول الاحتلال على امتداد عقود أن يمحو تفاصيلها من الذاكرة، وأن يستبدل الحقيقة التي تنقلها الكاميرا والرواية التي يكتبها القلم برواية أخرى تصنعها القوة وتفرضها البنادق والطائرات والدبابات، ولذلك فإن الحديث عن حماية الصحفي الفلسطيني لا يمكن أن يكون حديثا عابرا عن سلامة العاملين في وسائل الإعلام، بل هو حديث عن حماية الحقيقة نفسها، وعن حق شعب كامل في أن يكون له شاهد يوثق ما يجري على أرضه، ويضع أمام العالم صورة ما يحدث كما هي، بعيدا عن محاولات الطمس والتشويه والإنكار.أكثر من 37 صحفيا يقبعون في سجون الاحتلال، إلى جانب أعداد كبيرة من الصحفيين الذين استشهدوا خلال سنوات الصراع وهم يؤدون واجبهم المهني، فيما تعرض المئات للتهديد والاعتداء والملاحقة والمنع من مزاولة المهنة، ولا سيما في الضفة الغربية، حيث أصبحت الكاميرا في كثير من الأحيان سببا كافيا للتضييق على الصحفي، وأصبح الوصول إلى مكان الحدث محفوفا بالمخاطر، وأصبح الصحفي مضطرا لأن يحسب خطواته وهو يحمل أدوات مهنته، لا لأنه يخشى الخبر الذي سيكتبه، وإنما لأنه يعرف أن الجهة التي لا تريد للصورة أن تصل قد تحاول إيقافه قبل أن يتمكن من نقلها.الصحفي الفلسطيني، في هذه الأرض، ليس مجرد ناقل للخبر، لأنه يجد نفسه في كثير من الأحيان شاهدا وضحية في الوقت نفسه، يذهب إلى المكان الذي يهرب منه الناس بحثا عن الأمان، ويقترب من الركام حين يبتعد الآخرون عنه، ويحاول أن يجعل الصورة تتكلم حين تعجز الكلمات عن وصف حجم المأساة، ولذلك أصبحت الكاميرا بالنسبة للصحفي الفلسطيني أكثر من أداة مهنية، وأصبح القلم أكثر من وسيلة للكتابة، لأنهما تحولا إلى وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق الجريمة وإبقاء الرواية الفلسطينية حاضرة في مواجهة محاولات طمسها.فالصحفي الذي يصور طفلا يخرج من تحت الركام لا يصور مجرد مشهد إنساني عابر، وإنما يوثق جزءا من حياة شعب، والصحفية التي تقف أمام أم فقدت أبناءها لا تنقل خبرا فقط، وإنما تحفظ صوتا ووجعا وتفصيلا قد يحاول الزمن أن يطويه، والصحفي الذي يقف عند حاجز عسكري أو داخل مخيم أو في قرية تتعرض للاقتحام لا ينقل صورة مكان فحسب، وإنما يوثق علاقة الفلسطيني بأرضه وحركته وحياته اليومية تحت الاحتلال، ولهذا فإن استهداف الصحفي لا يعني إسكات شخص واحد، وإنما يعني محاولة إسكات شاهد كان يمكن أن ينقل الحقيقة إلى ملايين الناس.ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: أي حماية يتحدث عنها العالم عندما يكون الصحفي الفلسطيني نفسه معرضا للاعتقال والتهديد والاعتداء والقتل، وعندما تصبح عائلته في كثير من الأحيان جزءا من دائرة الاستهداف، وعندما لا يكون البيت الذي يعود إليه بعد انتهاء عمله أكثر أمنا من الشارع الذي خرج منه لتغطية الحدث، وعندما يستطيع الصاروخ أو القنبلة أن يصل إليه وإلى أسرته قبل أن تصل إليه الحماية التي تتحدث عنها المواثيق والقرارات الدولية؟في قطاع غزة، عاش الصحفيون واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها صحفي في أي مكان في العالم، فقد وجد الصحفي نفسه يعمل وسط القصف والدمار والنزوح والموت، يخرج إلى الميدان ليصور آثار الغارات، ثم يعود ليبحث عن مكان يرسل منه تقريره، وقد يعود ليكتشف أن منزله تعرض للقصف أو أن أحد أفراد عائلته أصبح جزءا من الخبر الذي كان يعمل على نقله، وقد يقف أمام الكاميرا ليصف مأساة عائلة، ثم يجد نفسه بعد ساعات يبحث عن أفراد عائلته بين الركام، ومع ذلك ظل الصحفيون في الميدان لأنهم يعرفون أن هناك حقيقة يجب أن تصل، وأن هناك صورا يجب أن يراها العالم، وأن هناك أطفالا ونساء وشيوخا ومدنيين لا يجوز أن تتحول مأساتهم إلى أرقام مجهولة في نشرات الأخبار.وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات قسوة في المشهد الفلسطيني؛ فالصحفي الذي يذهب لتوثيق الجريمة قد يتحول في اللحظة نفسها إلى ضحية للجريمة، والصحفي الذي يحمل الكاميرا لتوثيق استهداف منزل قد يجد منزله مستهدفا، والصحفي الذي يبحث عن الشهداء قد يجد بين الشهداء أفرادا من عائلته، ومع ذلك تستمر الكاميرا في العمل ويستمر القلم في الكتابة، لأن الصحفي الفلسطيني يعرف أن توقفه يعني أن مساحة أخرى من الحقيقة ستختفي، وأن الصورة التي كان يمكن أن تصل إلى العالم ربما لن تصل، وأن التفاصيل التي كان يمكن أن تبقى في الذاكرة ربما ستضيع تحت الركام.وهذا هو معنى أن يكون الصحفي الفلسطيني حارس الرواية ورافع لواء الحقيقة، فهو لا يحمي الرواية بالكلمات فقط، وإنما يحميها بحضوره في المكان، وبقدرته على الوصول إلى التفاصيل، وبإصراره على أن يجعل الصورة تتحدث عندما يحاول البعض منعها من الكلام، ولذلك فإن ثمن هذه الصورة قد يكون حرية الصحفي أو اعتقاله أو إصابته أو دمه، وقد يكون ثمن الكلمة بيتا مدمرا أو عائلة فقدت أحد أفرادها، ومع ذلك يبقى الصحفي في الميدان لأنه يعرف أن هناك من سيحاول بعد انتهاء القصف أن يقول إن ما حدث لم يحدث، وأن الصورة التي التقطها اليوم هي التي ستمنع غدا محو الجريمة من الذاكرة.وفي الضفة الغربية، لا يعيش الصحفي واقعا مختلفا تماما، فالحواجز والبوابات الحديدية والاقتحامات والاعتقالات والملاحقات والاعتداءات والتهديدات أصبحت جزءا من البيئة التي يعمل فيها الصحفي، وقد يجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى المكان الذي يريد تغطيته بسبب إغلاق طريق أو حاجز عسكري، وقد يتعرض للتضييق لأنه يحمل كاميرا، وقد يُطلب منه مغادرة المكان الذي يحاول توثيق ما يجري فيه، وقد تتحول عملية نقل الخبر نفسها إلى مخاطرة، لأن الاحتلال لا يريد دائما أن تصل الصورة كما وقعت على الأرض.وفي كثير من الأحيان، لا يحتاج الصحفي الفلسطيني إلى البحث عن الخطر، لأن الخطر يبحث عنه في المكان الذي يعيش فيه ويعمل فيه، ولذلك فإن الحديث عن حماية الصحفي في فلسطين لا يمكن فصله عن الواقع السياسي والعسكري الذي يعمل داخله، ولا يمكن اختزاله في إجراءات أمنية للصحفيين، لأن أصل المشكلة هو وجود احتلال يمارس القوة على الأرض، ويملك القدرة على التحكم بحركة الناس والصحفيين، ويستطيع الوصول إلى أماكنهم واعتقالهم واستهدافهم، بينما تبقى المؤسسات الدولية التي تتحدث عن حماية الصحافة عاجزة عن تحويل تلك الكلمات إلى إجراءات حقيقية تفرض على أرض الواقع.العالم يتحدث كثيرا عن حرية الصحافة، ويصدر القرارات والمواثيق التي تؤكد ضرورة حماية الصحفيين أثناء النزاعات، وتقام المؤتمرات والفعاليات في كل عام للحديث عن أهمية الصحافة ودورها في كشف الحقيقة ومراقبة السلطة والدفاع عن حقوق الإنسان، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في فلسطين هو: ماذا بقي من كل هذه النصوص عندما يقف الصحفي أمام آلة عسكرية لا تعترف بحقه في العمل، وعندما تصبح حياته معرضة للخطر لأنه حاول نقل صورة لما يحدث، وعندما تتحول القرارات الدولية إلى كلمات محفوظة في الملفات والأدراج بينما يبقى الصحفي في الميدان وحيدا أمام الرصاص والصاروخ والقنبلة؟إن المشكلة في فلسطين ليست نقصا في النصوص، فالعالم كتب الكثير عن حماية الصحفيين وحرية الإعلام والحريات المدنية، وإنما المشكلة في أن هذه النصوص لا تجد القوة الكافية لتتحول إلى حماية فعلية عندما يتعلق الأمر بالصحفي الفلسطيني، ولذلك يبقى السؤال قائما حول قيمة القرارات الدولية إذا كانت لا تستطيع حماية صحفي يحمل كاميرا، وحول قيمة الحديث عن القانون الدولي إذا كان لا يستطيع أن يمنع اعتقال صحفي أو استهدافه، وحول معنى حرية الصحافة إذا كان الصحفي الفلسطيني مطالبا بأن يوثق الحقيقة في الوقت الذي لا يجد فيه حماية من الجهة التي تحاول إسكات هذه الحقيقة.والأكثر إيلاما أن العالم نفسه الذي يتحدث عن حماية الصحفيين يعرف أن الصحفي الفلسطيني لا يواجه حجرا أو عصا فقط، وإنما يواجه منظومة عسكرية كاملة تمتلك الطائرات والصواريخ والقنابل والأسلحة الحديثة، وفي الوقت الذي تطالب فيه المؤسسات الدولية بحماية الصحفيين، فإن الأسلحة التي تستخدم في الحروب تصل من دول كبرى تعرف جيدا طبيعة السلاح الذي يُستخدم في الميدان، وهنا يصبح السؤال مشروعا ومؤلما في الوقت نفسه: كيف يمكن حماية الصحفي الفلسطيني من صاروخ أمريكي أو قنبلة أوروبية إذا كان المجتمع الدولي لا يملك الإرادة الكافية لوقف الأدوات التي تصل إلى الميدان وتعرض حياة الصحفيين والمدنيين للخطر؟كيف يمكن أن تطلب من الصحفي أن يكون شاهدا على الجريمة، ثم تتركه وحده أمام الجريمة عندما تصبح الكاميرا التي يحملها دليلا عليها؟ وكيف يمكن أن تقول للصحفي إن العالم يحتاج إلى الحقيقة، ثم تسمح بأن يصبح الوصول إلى الحقيقة سببا في سجنه أو قتله؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن حرية الصحافة، بينما الصحفي الذي يوثق حياة الناس تحت الاحتلال يجد نفسه ملاحقا بسبب الصورة التي التقطها أو الكلمة التي كتبها؟هذه الأسئلة ليست أسئلة نظرية، لأن الصحفي الفلسطيني عاشها على مدار عقود، ودفع ثمنها من حريته وحياته وأمنه وأمن عائلته، ولذلك فإن اليوم العالمي لحماية الصحفي الفلسطيني يجب ألا يكون مناسبة لإعادة إنتاج البيانات نفسها، أو لإطلاق عبارات التعاطف نفسها، أو لإضافة رقم جديد إلى قائمة الصحفيين الذين قتلوا أو اعتقلوا، وإنما يجب أن يكون مناسبة لطرح السؤال الحقيقي حول مسؤولية العالم تجاه الصحفي الذي يعمل في أرض محتلة، وحول المسؤولية القانونية والأخلاقية للمؤسسات الدولية التي تملك من النصوص والقرارات ما يكفي للحديث عن حماية الصحافة، لكنها لا تزال عاجزة عن تحويل هذه النصوص إلى واقع.الصحفي الفلسطيني لا يريد أن يتلقى بيانا بعد استشهاده، ولا يريد أن يسمع العالم صوته فقط عندما يتحول إلى خبر عاجل، ولا يريد أن تتحول صورته بعد موته إلى ملصق في مناسبة دولية، وإنما يريد أن يعيش وأن يمارس مهنته وأن يعود إلى بيته وأن يرى أبناءه وأن يحمل كاميرته دون أن يعرف إن كانت هذه الكاميرا ستكون آخر ما يحمله في حياته، ويريد أن تكون حرية الصحافة حقا حقيقيا لا شعارا يرفع في المؤتمرات، وأن يكون القانون الدولي قادرا على حماية الصحفي قبل سقوط الدم، لا أن يصل بعد الجريمة ليكتب بيانا عن الأسف والقلق والإدانة.فالصحفي الفلسطيني لا يحتاج إلى التعاطف بعد موته بقدر ما يحتاج إلى الحماية وهو حي، ولا يحتاج إلى الرثاء بعد اغتياله بقدر ما يحتاج إلى مساءلة من يستهدفه، ولا يحتاج إلى لجنة تحقيق جديدة بعد سقوطه بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تمنع سقوطه، لأن الحماية الحقيقية لا تبدأ بعد الجريمة وإنما تبدأ بمنع وقوعها، ولا تكون بكلمات مكتوبة على الورق وإنما بإرادة سياسية وقانونية تجعل استهداف الصحفي جريمة لا يمكن أن تمر دون محاسبة.وفي كل مرة يسقط فيها صحفي فلسطيني، لا تخسر عائلته وحدها شخصا عزيزا، ولا تخسر الأسرة وحدها أبها أو ابنها أو أمها أو ابنتها، وإنما تخسر الصحافة شاهدا كان يمكن أن يوثق آلاف التفاصيل، ويخسر المجتمع ذاكرة كانت ستبقى حاضرة في صورة أو تقرير أو مقابلة أو شهادة، ويخسر العالم فرصة جديدة لمعرفة الحقيقة من صاحبها المباشر، ولذلك فإن قتل الصحفي ليس مجرد خسارة مهنية أو إنسانية، وإنما هو اعتداء على حق المجتمع في المعرفة، وعلى حق الناس في أن يروا ما يحدث، وعلى حق التاريخ في أن تكون له وثائق وشهادات وأسماء ووجوه.ولهذا يخاف الاحتلال من الكاميرا، لأن الصورة لا تحتاج إلى ترجمان عندما يظهر فيها طفل تحت الركام، ولا تحتاج إلى خطاب سياسي عندما تظهر فيها أم تبحث عن أبنائها، ولا تحتاج إلى كثير من الكلمات عندما يظهر فيها منزل تحول إلى أنقاض أو عائلة تهرب من القصف أو قرية تغلق مداخلها أو أسير يخرج من السجن بعد سنوات من الاعتقال، فالصورة في فلسطين قادرة على أن تحفظ التفاصيل التي يريد الاحتلال أن تختفي، وقادرة على أن تجعل الجريمة حاضرة أمام العالم، ولهذا تتحول الكاميرا إلى شاهد، ويتحول الصحفي إلى حارس للرواية، وتصبح حماية الصحفي في جوهرها حماية للصورة التي يمكن أن تقول للعالم ما حدث دون أن تحتاج إلى كثير من الشرح.إن الصحفي الفلسطيني يعرف أن مهمته ليست أن يكون أقوى من الطائرة أو الدبابة، فهو لا يحمل سلاحا عسكريا ولا يقف في الميدان بقوة النار، وإنما يحمل كاميرا وميكروفونا وقلما، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن هذه الأدوات البسيطة قادرة على هز الرواية التي يريد الاحتلال فرضها، لأن الصورة التي توثق الطفل والمرأة والبيت والمدرسة والمستشفى والمخيم والحاجز والجدار والاقتحام والاعتقال قادرة على أن تجعل العالم يرى الإنسان الفلسطيني كما هو، لا كما يريد الاحتلال أن يظهره.ولهذا فإن حماية الصحفي الفلسطيني هي حماية للإنسان الفلسطيني أيضا، لأن الصحفي هو الذي ينقل صوت من لا صوت له، ويمنح الضحية مساحة للحديث، ويضع أمام العالم وجه الإنسان الذي قد يتحول في نشرات الأخبار إلى مجرد رقم، ويعيد إلى الشهيد اسمه، وإلى الطفل وجهه، وإلى الأم قصتها، وإلى البيت عنوانه، وإلى القرية تاريخها، وإلى الأرض ذاكرتها، ولذلك فإن إسكات الصحفي يعني في كثير من الأحيان إسكات هؤلاء جميعا.لقد حاول الاحتلال عبر سنوات طويلة أن يفرض روايته بالقوة، لكن الرواية الفلسطينية بقيت حاضرة لأن هناك صحفيين وكتابا ومصورين ومراسلين ومؤسسات إعلامية رفضوا أن يتركوا الأرض بلا شهادة، ورفضوا أن تتحول الجرائم إلى أحداث مجهولة، ورفضوا أن يصبح الفلسطيني مجرد رقم في نشرات الأخبار، ولهذا دفع الصحفيون ثمنا كبيرا، وكان من بينهم من فقد حياته، ومن فقد بيته، ومن فقد عائلته، ومن فقد حريته، ومن اضطر إلى العمل تحت التهديد، لكنهم جميعا حملوا المعنى نفسه: أن الحقيقة تستحق أن تُقال حتى عندما يكون ثمنها غاليا.ومن هنا فإننا لا نطالب العالم بموقف عاطفي جديد، وإنما نطالبه بمسؤولية حقيقية تجاه الصحفي الفلسطيني، ونطالبه بأن تكون القرارات الدولية المتعلقة بحماية الصحفيين قابلة للتطبيق، وأن تكون هناك مساءلة حقيقية عن استهدافهم، وأن تتحول حماية حرية الصحافة من نصوص محفوظة في الوثائق إلى إجراءات واضحة على الأرض، لأن الصحفي الذي يقتل لا يمكن لأي بيان بعد ذلك أن يعيد حياته، والصحفي الذي يسجن لا تعيد له الإدانة الدولية سنوات عمره، والعائلة التي تفقد أبناءها لا تستطيع أن تعيش على كلمات التعزية.نحن الصحفيين الفلسطينيين لا نطلب أن يكون لنا قانون مختلف عن بقية صحفيي العالم، بل نطالب بأن يطبق القانون الذي يتحدث عنه العالم على فلسطين كما يطبق في أي مكان آخر، ونطالب بأن تكون حياة الصحفي الفلسطيني مساوية في قيمتها لحياة أي صحفي في العالم، وأن تكون الكاميرا الفلسطينية محمية كما تحمى أي كاميرا، وأن تكون حرية الصحفي الفلسطيني مصانة كما تصان حرية الصحفي في أي دولة أخرى، لأن الصحافة لا ينبغي أن تكون حقا جغرافيا يخضع لموقع الإنسان على الخريطة.وفي اليوم العالمي لحماية الصحفي الفلسطيني، لا يمكن أن نكتفي بالقول إن الصحفيين شجعان، لأن شجاعة الصحفي ليست مبررا لتركه وحيدا، ولا يمكن أن نكتفي بتمجيد من استشهدوا، لأن أفضل تكريم للشهيد الصحفي هو منع تكرار الجريمة التي أدت إلى استشهاده، ولا يمكن أن نكتفي بتوثيق أعداد المعتقلين، لأن الأهم هو إنهاء الاعتقال الذي يطال الصحفي بسبب مهنته، ولا يمكن أن نكتفي بالحديث عن حرية الصحافة، لأن المطلوب هو أن تصبح هذه الحرية واقعا يعيشه الصحفي الفلسطيني لا مجرد شعار يسمعه في المناسبات.إن الصحفي الفلسطيني يريد أن يعيش ليكتب، ويريد أن يبقى حيا ليصور، ويريد أن يعود إلى بيته بعد انتهاء عمله، ويريد أن يرى أبناءه وأن يفتح حاسوبه في اليوم التالي ليكتب تقريرا جديدا، ويريد أن يكون الخطر الذي يواجهه هو صعوبة الحصول على المعلومة أو الوصول إلى المكان، لا الخوف من أن يكون هو نفسه الهدف، لكن الواقع الذي فرضه الاحتلال جعل الصحافة في فلسطين مهنة تحمل معها احتمالات الموت والاعتقال والإصابة والفقدان، ومع ذلك لم يتوقف الصحفيون عن العمل، لأنهم يعرفون أن الصمت في بعض اللحظات يمكن أن يكون مشاركة في محو الحقيقة.ولهذا ستبقى الكاميرا الفلسطينية مفتوحة، وسيبقى القلم الفلسطيني حاضرا، وسيبقى الصحفي في الميدان ما دام هناك شعب يحتاج إلى من يوثق حكايته، وما دام هناك طفل يحتاج إلى من يحفظ صورته، وما دامت هناك أم تحتاج إلى من ينقل وجعها، وما دام هناك بيت يهدم وقرية تقتحم ومدينة تحاصر وأسير ينتظر الحرية، لأن الصحفي الفلسطيني يعرف أن مهمته لا تنتهي عند نقل الخبر، وإنما تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها أن الحقيقة يجب أن تصل كاملة إلى الناس.وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى أمام العالم في هذا اليوم ليس فقط: كم صحفيا قتل؟ وكم صحفيا اعتقل؟ وكم كاميرا دمرت؟ وكم مؤسسة إعلامية استهدفت؟ وإنما السؤال الأعمق هو: ماذا فعل العالم لمنع ذلك؟ وماذا فعلت المؤسسات الدولية التي كتبت عشرات النصوص عن حماية الصحفيين؟ وماذا بقي من كل القرارات التي قيل إنها تحمي حرية الصحافة عندما يقف الصحفي الفلسطيني في غزة أو الضفة الغربية وحيدا أمام الرصاص والقصف والاعتقال؟لقد كتب العالم كثيرا عن حماية الصحفيين، لكنه لم يكتب بعد الإجابة عن السؤال الذي يطرحه الصحفي الفلسطيني من قلب الميدان: إذا كنتم تريدون منا أن نحمي الحقيقة، فمن سيحمينا ونحن نحميها؟هذا هو السؤال الذي يجب أن يسمعه العالم.لأن الصحفي الفلسطيني لا يريد أن يكون شهيدا جديدا في قائمة طويلة، ولا يريد أن تتحول كاميرته بعد موته إلى شاهد صامت على جريمة أخرى، ولا يريد لعائلته أن تنتظر بيانا دوليا بعد رحيله، وإنما يريد حماية حقيقية تسمح له بأن يقوم بعمله ويعود إلى منزله، ويريد عالما لا يكتفي برؤية الصورة وإنما يتحمل مسؤوليته تجاه ما تكشفه الصورة.وفي فلسطين، ستبقى الكاميرا شاهدة، وسيبقى القلم حارسا للذاكرة، وسيبقى الصحفي واقفا في المكان الذي يحاول الآخرون أن يفرغوه من الشهود، لأن الرواية التي لا تجد من يحميها قد تُسرق، والحقيقة التي لا تجد من يوثقها قد تُدفن، لكن الصحفي الفلسطيني سيواصل حملها، ليس لأنه لا يخاف، وإنما لأنه يعرف أن هناك خوفا أكبر من خوف الموت، وهو أن تموت الحقيقة معه، وأن تذهب صورة الطفل الذي قتله القصف إلى النسيان، وأن تختفي قصة الأم التي فقدت أبناءها، وأن يتحول البيت الذي هُدم إلى رقم بلا اسم، وأن يكتب القاتل وحده رواية ما حدث.لذلك سيبقى الصحفي الفلسطيني في الميدان، وسيبقى حارس الرواية ورافع لواء الحقيقة، وسيبقى يحاول بكل ما يملك أن يجعل الصورة تتكلم، لأن ثمن كلام هذه الصورة قد يكون حريته أو سجنه أو دمه، لكنه يعرف أن صمت الصورة يعني انتصارا جديدا لمن يريد إخفاء الحقيقة، وأن الكاميرا التي توثق الجريمة اليوم قد تكون الوثيقة التي يحتاجها التاريخ غدا.ومن فلسطين، في اليوم العالمي لحماية الصحفي الفلسطيني، لا نريد من العالم كلمات جديدة عن التضامن، وإنما نريد حماية حقيقية للصحفيين، وحماية للكلمة والصورة والكاميرا، وحماية لحق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه، ونريد أن تتوقف القرارات الدولية عن كونها أسطرا معلقة على جدران المؤسسات وأوراقا محفوظة في الأدراج، وأن تتحول إلى قوة تحمي الإنسان قبل أن يسقط، وتحمي الصحفي قبل أن يصبح خبرا، وتحمي الكاميرا قبل أن تصبح شاهدة على دم صاحبها.فأي حماية هذه التي تصل بعد الموت؟وأي حرية صحافة هذه التي تنتهي عند حدود فلسطين؟وأي قانون دولي هذا الذي يكتب حماية الصحفي ثم يعجز عن حمايته؟وأي عالم هذا الذي يطالب بحماية الحقيقة بينما يسمح لمن يلاحق الحقيقة بأن يستمر في استهداف حراسها؟الصحفي الفلسطيني لا يريد أكثر من حقه الطبيعي في أن يعيش ويعمل ويكتب ويصور، لكن هذا الحق البسيط أصبح في فلسطين معركة يومية، ومع ذلك سيبقى القلم مرفوعا، وستبقى الكاميرا مفتوحة، وسيبقى الصحفي في الميدان، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى جيش حتى تنتصر، وإنما تحتاج إلى شاهد يرفض أن يصمت.والصحفي الفلسطيني هو ذلك الشاهد الذي يقف وسط الركام، لا ليبحث عن بطولة شخصية، وإنما ليقول للعالم إن خلف كل حجر إنسانا، وخلف كل رقم قصة، وخلف كل شهيد عائلة، وخلف كل صورة حياة كاملة، وإن هذه الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية يمكن محوها من الخريطة، وإنما وطن له شعب وذاكرة ورواية.ولهذا، فإن حماية الصحفي الفلسطيني ليست حماية للصحفي وحده، بل حماية للذاكرة الفلسطينية، وحماية للصورة التي ستبقى شاهدة، وحماية للكلمة التي ستبقى مكتوبة، وحماية للحقيقة التي مهما حاول الاحتلال طمسها ستجد دائما من يحملها، ومن يكتبها، ومن يصورها، ومن يرفعها أمام العالم ويقول:هذه فلسطين، وهذه حقيقتها، وهذه هي الصورة التي حاولوا إسكاتها، لكنها بقيت تتكلم.

أي حماية للصحفي الفلسطيني؟ حين تصبح الكاميرا شاهدة والدم ثمناً للحقيقة

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)