الإثنين 28 سبتمبر 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس
مع اقتراب الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر 2023، وشن إسرائيل حرب الإبادة والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، لا يكفي أن نسأل إن كانت القضية الفلسطينية قد عادت إلى صدارة الأجندة العالمية، فالسؤال الأصعب هو: هل أصبح الفلسطينيون أقرب إلى الحرية والاستقلال وإقامة الدولة المنشودة، وأكثر قدرة على حماية أرضهم وشعبهم وتقرير مصيرهم ومستقبلهم؟الإجابة تقتضي الاعتراف بما تحقق سياسيًا، من دون أن نتجاهل حجم الخسارة الإنسانية والوطنية.ودقة الإجابة عن هذا السؤال تقتضي فحص ماذا حققت دولة «الحل الصهيوني للمسألة اليهودية»، كما قدمها المفكر المغربي «الحبيب الشوباني» في كتابه الموسوم بـ«المسألة اليهودية في عصر الطوفان»، وماذا خسرت سياسيًا وفكريًا وإعلاميًا؟ إذ إن خسائرها تُحسب مكاسب فلسطينية، وأرباحها تُحسب خسائر.أما فيما يتعلق بالمكاسب التي حققها الفلسطينيون، فيصعب إنكار حضورهم الدولي، إذ عادت حقوقهم إلى قلب النقاش السياسي في عواصم كانت تتعامل مع القضية بوصفها ملفًا قابلًا للتأجيل، حيث اعترفت دول إضافية، بينها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، بدولة فلسطين، واتسعت المطالبة بمساءلة إسرائيل عن جرائمها في غزة، علاوة على اتساع المطالبة بوقف الاستيطان والمحو في الضفة الغربية، وكذلك المطالبة بسرعة إيجاد مسار سياسي ينهي الاحتلال.وينبغي هنا التوضيح أنه على الرغم من الاعتراف بالدولة، فإن الدولة لم تقم على الأرض، وعلى الرغم من الحضور في النقاش الدولي، فإن الحرب لم تتوقف، ولم يُحسم مصير القدس والضفة وغزة.وتجدر الإشارة هنا إلى أن المكاسب الفلسطينية تتجاوز الحضور والاعتراف إذا ما أضفنا إليها الخسائر الإسرائيلية، إذ تظهر قائمة الخسائر الإسرائيلية أن إسرائيل، بعد السابع من أكتوبر وشنها حرب الإبادة على غزة، أصبحت أكثر عزلة، وأكثر تعرضًا للكراهية، وأكثر تسببًا في عدم الاستقرار وتهديد السلم والأمن في العالم. والأهم في هذا الشأن أن الأسس التي قامت عليها سردية المظلومية اليهودية قد تخلخلت، مما أضعف حجة اليهود في إسرائيل وخارجها في مواصلة تقديم أنفسهم كضحايا لجريمة الهولوكوست. وهذا بدوره أحدث انقلابًا وتحولًا لدى شعوب العالم في النظرة إلى إسرائيل، إذ انقلبت النظرة من نظرة إيجابية متعاطفة إلى نظرة سلبية رافضة لإجرام دولة بحق الإنسانية، الأمر الذي كشف مأزق وهم الصلاحية الأبدية لسردية «الحل الصهيوني للمسألة اليهودية».واللافت هنا أن هذا الانقلاب في النظرة إلى إسرائيل كان بارزًا في دول الغرب التي نشأت وتطورت فيها المسألة أو المشكلة اليهودية في منتصف القرن التاسع عشر، والتي تُعتبر شريكة في صناعة إسرائيل، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك وفقًا لدراسات واستطلاعات مراكز غربية، كمراكز Pew وYouGov وGallup، الأمر الذي ترى فيه مؤسسات التفكير الأمني الإسرائيلي أحد أبرز تهديدات الأمن القومي.ففي ألمانيا، تُظهر الاستطلاعات أن نظرة المجتمع السلبية إلى إسرائيل قد بلغت 65% مقابل 21% إيجابية، وفي بريطانيا 63% مقابل 17%، وفي فرنسا 64% مقابل 16%، وفي إيطاليا 67% مقابل 15%، وفي إسبانيا 68% مقابل 13%، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فكانت النسبة 42% سلبية مقابل 52% إيجابية.وتظهر النسب أعلاه أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي لا تزال تحمي إسرائيل وتدافع عنها، وفي هذا الشأن قال كل من الرئيس ترامب ونائبه فانس إنه لولا واشنطن ودعمها لزالت إسرائيل عن الوجود، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية شريكًا فعليًا في جرائم الإبادة والتطهير العرقي.وكان من أبرز تجليات هذا التحول في النظرة إلى إسرائيل قرار اثنتي عشرة دولة غربية، في الثامن من سبتمبر/أيلول الجاري، مقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية، ثم مغادرة أكثر من سبعين دولة قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة عند بدء نتنياهو كلمته الأسبوع الماضي.ويُعتبر اكتشاف نسبة ليست قليلة من اليهود حول العالم، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، أن إقامة دولة إسرائيل كحل صهيوني للمسألة اليهودية كانت خطيئة استراتيجية ارتكبتها الحركة الصهيونية في حق اليهود عامة؛ إذ اكتشف اليهود بعد السابع من أكتوبر أن الحل الصهيوني نقلهم من ضيق كراهية الغيتوهات في أوروبا المسيحية نحو مخاطر الغيتو الأكبر في فلسطين المحتلة. والكراهية المقصودة هنا ليست كراهية اليهودية كديانة، بل كراهية دولة إسرائيل بما اقترفته وتقترفه من إبادة وقتل وتجويع في «مولوكوست غزة».ويدرك أصغر الإسرائيليين سنًا أن حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين لثلاث سنوات متواصلة كشفت طاقة تحررية لدى الفلسطينيين يستحيل القضاء عليها، ولم يعد، أمام مشاهد الإبادة والتدمير والتجويع، من الممكن تصور أي إمكانية للتعايش السلمي دون الاعتراف بالخطأ وإعطاء الفلسطينيين حقهم في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة.ويُعَدّ انهيار عقيدة الأمن والردع، والنزيف الاقتصادي، والفشل في تحقيق النصر المطلق على الفلسطينيين، من الخسائر الاستراتيجية الإسرائيلية التي لا يمكن تجاهلها.وحول المكاسب التي حققتها إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد أثبتت أنها تمتلك قوة عسكرية مدمرة، مكنتها من احتلال أكثر من 60% من مساحة غزة، ومن إلحاق خسائر فادحة في صفوف أعدائها في المنطقة. إلا أن مراكز التفكير الأمني في إسرائيل ترى أن الأمن القومي لإسرائيل لا يقوم فقط على التفوق العسكري، والأهم أن هذه المراكز تؤكد أن كل ما حققته إسرائيل من دمار وقتل في صفوف أعدائها في كل جبهات الحرب هو إنجازات تكتيكية هشة.أما قائمة خسائر الفلسطينيين، فتبدأ بالإنسان، حيث دفعت غزة ثمنًا فادحًا من أرواح أبنائها وصحتهم وتعليمهم وبيوتهم، وما زال سكانها يواجهون آثار الدمار ونقص الخدمات والمأوى. وقدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات. وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وثقت الأمم المتحدة استمرار سقوط الضحايا وبقاء آلاف الناس في مبانٍ متضررة ومساكن غير آمنة.ولم تنحصر الخسارة في غزة. ففي الضفة الغربية، تسارع هدم المنازل ومصادرة الأراضي والتهجير وإرهاب المستوطنين، وازدادت القيود التي تعزل التجمعات الفلسطينية وتضغط على سبل عيشها. وهكذا بات الخوف على الأرض الفلسطينية ووصلِ أجزائها أشد إلحاحًا. ويحمل استمرار الفصل السياسي بين غزة والضفة خطرًا موازيًا: أن يُبحث مستقبل كل منهما بمعزل عن الأخرى، بينما يضعف الصوت الفلسطيني الموحد القادر على التفاوض باسم الشعب كله.كما كشفت السنوات الثلاث الماضية حدود القوة المسلحة وحدود الدبلوماسية حين تعمل كل منهما بلا استراتيجية وطنية جامعة. فقد استطاع الفلسطينيون إبقاء قضيتهم حاضرة، لكنهم لم ينتزعوا إنهاء الاحتلال، ولم يمتلكوا حتى الآن قرارًا موحدًا بشأن الحكم والأمن وإعادة البناء والتمثيل السياسي. وفي المقابل، أثبتت موجة الاعترافات أن العمل الدبلوماسي يستطيع فتح أبواب مهمة، لكنه يحتاج إلى قيادة ذات شرعية ومؤسسات قادرة على تحويل التأييد الدولي إلى حماية فعلية وحقوق على الأرض.إذن، ماذا حقق الفلسطينيون؟ حققوا اعترافًا أوسع بعدالة قضيتهم، وفرضوا سؤال الدولة والاحتلال على جدول الأعمال الدولي. وماذا خسروا؟ خسروا عددًا هائلًا من الأرواح، ومقومات حياة كاملة في غزة، وتعرضت أرضهم ومؤسساتهم وفرص وحدتهم لضغط غير مسبوق. ولم تتحول المكاسب السياسية بعد إلى سيادة أو أمن أو حرية.هذا إذا ما اقتصرت جردة الحساب على أرباح وخسائر الفلسطينيين التكتيكية، أما إذا أُجري الحساب في سياق الصراع الممتد منذ أكثر من قرن، فيُظهر كشف الحساب أن دولة إسرائيل، أو دولة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، عمقت المشكلة بدلًا من أن تعالجها، ودخلت في مأزق غير قابل للحل، كما يجادل جورج فريدمان، ونقلت المشكلة من أوروبا المسيحية إلى فلسطين، قلب الحوض الحضاري العربي الإسلامي، الذي لم يستسلم للمغول عندما حرقوا بغداد ومكتبتها، ولا للصليبيين وحروبهم على المنطقة.وختامًا، أجادل بأن الذكرى الثالثة تفرض سؤالًا عمليًا: كيف نبني على ما تحقق بمكاسبه وخسائره ليُحمى ما بقي، ويُعاد بناء ما دُمّر، وتُستعاد وحدة الشعب وشرعية تمثيله، وضمان تحقيق النصر على دولة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية؟وتبدأ الإجابة بالإيمان ابتداء من أن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية وصل إلى نهايته بالفشل، بالاتفاق على قيادة فلسطينية غير فاسدة، خاضعة للمساءلة، تربط غزة والضفة في مشروع سياسي واحد، مدركة وواعية للمسألة اليهودية والحل الصهيوني لها. عندئذ فقط يمكن تحويل التعاطف والاعتراف الدوليين إلى مكسب يلمسه الفلسطيني في حياته.* باحث متخصص في الأمن القومي الفلسطيني والإسرائيلي.
ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر: ماذا حقق الفلسطينيون وماذا خسروا؟
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)