f 𝕏 W
ماذا لو ؟

جريدة القدس

سياسة منذ يوم 0 7 د قراءة
زيارة المصدر ←

ماذا لو ؟

الإثنين 28 سبتمبر 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

في الحصة الثالثة يرفع طالب يده بعد تردد طويل. يجيب عن السؤال فتخرج كلماته ناقصة ويضحك طالب في الصف الخلفي. يوشك أن يخفض عينيه قبل أن يكمل فكرته. يتدخل المعلم بهدوء ويوقف السخرية ثم يعود إلى الإجابة. لا يحول الخطأ إلى درس في الشجاعة ولا يكتفي بتصحيحه. يسأله عن الجزء الذي كان يقصده ويمنحه وقتا كي يعيد المحاولة. في تلك اللحظة لا يتغير محتوى الدرس وحده. يتغير معنى حضور الطالب في الصف. يدرك أن المعلم لم ير علامة ناقصة فقط ولم ير سلوكا يحتاج إلى ضبط فقط. رأى طالبا يحاول أن يتعلم ويحتاج إلى من يصغي إليه. ماذا يمكن أن يحدث للتعلم حين يشعر الطالب أن معلمه يراه بهذه الصورة؟يمضي الطلاب ساعات طويلة داخل صفوفهم. وفي هذه الساعات لا يتلقى الطالب المعرفة من الكتاب أو الشاشة وحدهما. يتلقى إشارات عن مكانته بين الآخرين. هل يعرف المعلم اسمه؟ هل يصغي إلى سؤاله حين لا يكون مصاغا جيدا؟ هل يتعامل مع خطئه بوصفه جزءا من التعلم أم دليلا على ضعف شخصيته؟ هل يلاحظ غيابه أو تغيره من دون أن يحوله إلى موضوع أمام زملائه؟ هذه التفاصيل تصنع جانبا مهما من خبرة الطالب بالمدرسة وبنفسه داخلها من دون أن تقدم وصفة جاهزة للنجاح.من هنا تكتسب علاقة المعلم بالطالب أهمية تتجاوز اللطف . قد يكون الطالب حاضرا في سجل المدرسة وغائبا عن انتباه من يدرسه. وقد يشارك في الدرس من دون أن يطمئن إلى أن صوته مسموع. رؤية الطالب لا تعني أن يكون محور كل حصة أو أن يحصل على مديح مستمر. معناها أن يشعر بأن وجوده ملحوظ باحترام وأن سؤاله يستحق الإصغاء وأن خطأه لا يسقط كرامته. معناها أن يتعامل المعلم معه كإنسان يتعلم لا كرقم في قائمة ولا كعلامة في كشف ولا كسلوك يصنف بسرعة.يقترب هذا المعنى من مفهوم perceived mattering الذي يمكن فهمه بوصفه إدراك الطالب أنه مهم للآخرين وأن وجوده أو إسهامه يحدث فرقا لديهم. وهو أوسع من مجرد أن يراه المعلم بعينيه أو يحفظ اسمه. قدم موريس روزنبرغ وب كلير ماكولو عام 1981 تصورا مبكرا للمفهوم تضمن انتباه الآخرين إلى الشخص وإدراك أهميته لديهم وشعوره بأن الآخرين يعتمدون عليه. وفي صياغة اخرى للمفهوم يلتقي الشعور بأن المرء مقدر ومحترم مع شعوره بأنه يضيف قيمة إلى محيطه. داخل الصف قد يظهر ذلك حين يلتقط المعلم سؤالا فتح بابا للفهم أو يلاحظ تقدما محددا أو يمنح الطالب فرصة للمساهمة. لكن قيمة الطالب لا تتوقف على ما يقدمه في لحظة بعينها. من لم يجد اليوم ما يقوله ليس اقل استحقاقا للرعاية من زميل ملأ الحصة بالأفكار.تقول الأدلة المتاحة شيئا يحتاج إلى لغة دقيقة. في تحليل تلوي نشر عام 2024 جمعت الباحثات نتائج 30 دراسة عبر 39 عينة شملت 18406 مشاركين. ارتبط الشعور بالأهمية بالرفاه ارتباطا بلغ نحو 0.41 في النتائج العامة وبلغ نحو 0.55 في مجموعة الرفاه المرتبط بالمعنى وتحقيق الإمكانات. هذه النتائج توضح صلة بين إدراك الإنسان لمكانته لدى الآخرين وبعض جوانب رفاهه. لكنها لا تثبت أن الشعور بالأهمية يسبب الرفاه ولا تثبت أنه العامل الحاسم فيه. معظم الدراسات كانت رصدية أو مقطعية وقد تتداخل في النتيجة عوامل مثل الأسرة والصداقات والصحة النفسية.لهذا لا يصح أن نقول إن الطلاب الذين يشعرون بأنهم مرئيون هم الأكثر سعادة. ولا يصح أن نعد الطالب بأن اهتمام المعلم به سيضمن نجاحه. المعلم لا يملك وحده مفاتيح حياة الطالب ولا يستطيع أن يعوض كل ما يلقاه خارج المدرسة. لكنه يملك مجالا حقيقيا للتأثير في التجربة اليومية التي يعيشها الطالب أمامه. طريقة السؤال وطريقة التصحيح وطريقة التدخل حين يضحك زميل قد تجعل المحاولة ممكنة أو تجعل الصمت يبدو اكثر امانا. ومن هذه المساحة المهنية تتكون علاقة يمكن أن تدعم التعلم من دون أن تدعي أنها تفسر كل نتائجه.يبدأ ذلك أحيانا من أمور عادية. ينادي المعلم الطالب بالاسم الذي يفضله. يترك له وقتا قصيرا ليكتب قبل أن يطلب منه الحديث أمام الجميع. يتيح حوارا ثنائيا قبل النقاش العام. يلاحظ تحسنا محددا بدلا من مديح عام. يسأل عن سبب الإجابة قبل الحكم عليها. وحين يقع الخطأ يوجه التصحيح إلى الفكرة لا إلى قيمة صاحبها. لا يعني هذا أن كل طالب صامت يشعر بالخوف أو أن كل مشاركة دليل على الطمأنينة. بعض الطلاب يحتاجون إلى وقت قبل الكلام وبعضهم يعبر كتابة على نحو افضل. الإنصاف أن يتيح المعلم اكثر من شكل للحضور وأن يقرأ الصمت بحذر.قد يصبح السعي إلى رؤية الطالب نوعا من الضغط إذا تحول إلى مراقبة مستمرة أو بحث علني في حياته الخاصة. الانتباه المهني ليس اقتحاما. هو سؤال يترك للطالب مساحة واصغاء لا يعاقبه على تحفظه ومعرفة بالحدود التي تستدعي مساعدة مختص. الطالب يحتاج إلى أن يعرف أن معلمه يلتفت إليه من دون أن يشعر بأنه تحت تفتيش دائم. وتحفظ هذه المسافة احترام الخصوصية والتعامل المتزن مع المعلومات والانتباه إلى ما يقال وما لا يقال.ولا تنحصر علاقة الطالب بالمدرسة في معلم واحد. فقد يشعر الطالب بأنه مهم لدى معلم ويظل بعيدا عن بقية المدرسة. وقد يشارك في نشاط جماعي من دون أن يشعر بأن وجوده يحدث فرقا. هنا يظهر الفرق بين perceived mattering والانتماء المدرسي. الانتماء يعني أن يشعر الطالب بأن له مكانا بين زملائه ومعلميه وأن المدرسة مكان يمكن أن ينسب نفسه إليه. أما الشعور بالأهمية فيتصل كذلك بإدراكه أن غيابه قد يلاحظ وأن رأيه قد يغير شيئا. يلتقي المفهومان في خبرة القبول والعلاقة لكن أحدهما لا يساوي الآخر.تشير بيانات برنامج بيزا لعام 2018 إلى أن نحو 71 بالمئة من الطلاب في متوسط بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قالوا إنهم يشعرون بالانتماء إلى مدارسهم. وبعد مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب والمدارس ارتبط ارتفاع مؤشر الانتماء بمقدار وحدة واحدة بزيادة تقارب أربع نقاط في القراءة. هذه علاقة لا تقدم وصفة لرفع الدرجات ولا تقول إن الانتماء وحده يصنع التفوق. لكنها تذكر بأن خبرة الطالب داخل المدرسة ليست منفصلة عن تعلمه. وراء الإجابة التي يكتبها في الاختبار يوم طويل من العلاقات والتوقعات والفرص التي أتيحت له أو حجبت عنه. وفي هذا اليوم يحتل المعلم موقعا مؤثرا في جزء متكرر من حياة الطالب من دون أن يختصر المدرسة كلها.هذا لا يعفي المدرسة من مسؤوليتها الأوسع. لن تصمد رسالة الاحترام داخل الصف إذا واجه الطالب تنمرا في الممر أو استهزاء حين يطلب المساعدة. تحتاج المدرسة إلى قواعد تطبق بإنصاف وإلى استجابة واضحة للإقصاء وإلى فرص يسمع فيها الطلاب من دون خوف. الرعاية لا تعني التساهل مع الأذى والانضباط لا يمنح أحدا حق الإهانة. ويحتاج المعلم إلى دعم مؤسسي يتيح له متابعة الطلاب من دون أن يحمله وحده أعباء لا يستطيع الوفاء بها. رؤية الطالب مشروع علاقة ومسؤولية مشتركة وليست مهمة تلقى على شخص واحد.في النهاية لا يحتاج الطالب إلى أن يكون الأعلى صوتا كي يكون مرئيا. ولا يحتاج إلى علامة مرتفعة كي يستحق أن يتذكر المعلم اسمه وأن يصغي إلى سؤاله وأن يعامله باحترام. يحتاج إلى معلم يرى في الإجابة الناقصة بداية ممكنة لا حكما نهائيا. يرى في السلوك الصعب إشارة تحتاج إلى فهم وحدودا واضحة لا اختصارا للشخص كله. ويرى في الطالب إنسانا يتعلم ويخطئ ويسأل وينمو. لا تقول الأدلة إن الشعور بالأهمية وحده يصنع مستقبلا افضل ولا تقول إن المعلم وحده يضمن النجاح. تقول إن الشعور بأن للمرء قيمة لدى الآخرين يرتبط بجوانب من رفاهه وإن العلاقات الداعمة والانتماء يتصلان بتجربة التعلم. ومن هنا تبدأ مسؤولية تربوية متواضعة وعميقة. أن يدخل الطالب الصف وهو يعلم أن حضوره لا يختزل في رقمه وأن غيابه قد يلاحظ باهتمام لا بتشهير وأن وجوده يعني لشخص يقف أمامه كل يوم شيئا.

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)