جنوب لبنان- في الطريق إلى القرى الجنوبية، تسبق آثار الحرب أهلها. مبان مهدمة، وواجهات مفتوحة على السماء، ومحال أغلقت أبوابها، وبيوت بقي بعضها واقفا على نحو هش، كأن جدرانه تختزن ما نجا من القصف وما لم ينجُ منه.
هنا، بعد عامين على مقتل الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، لا تبدو الذكرى منفصلة عن المكان. فالرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بالحزب وبالصراع مع إسرائيل وخطاب المقاومة غاب، لكن صورته لم تغب من ذاكرة بيئته، ولا من الأسئلة التي يطرحها الجنوب على نفسه اليوم: ماذا بقي من حضوره؟ وكيف يقرأ أنصاره غيابه؟ وهل تبدل شيء في شعورهم بالأمان والثقة والصمود منذ رحيله؟
في 27 سبتمبر/أيلول 2024، عند الساعة 6:21 مساء، استهدفت إسرائيل مقر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت. وقال الجيش الإسرائيلي لاحقا إن سلاح الجو أسقط 83 قنبلة بصورة متزامنة على الموقع، في غارة أدت إلى مقتل نصر الله وعدد من كبار قادة الحزب، بينهم قائد جبهة الجنوب علي كركي.
وفي اليوم التالي، أعلن حزب الله رسميا مقتل أمينه العام، الذي تولى قيادة الحزب منذ عام 1992، ليطوي بذلك مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، لم يقتصر خلالها حضوره على قيادة التنظيم، بل تحوّل تدريجيا إلى شخصية ذات تأثير واسع داخل بيئته الشيعية، سياسيا ودينيا واجتماعيا، وصولا إلى حضور تجاوز الحدود اللبنانية إلى الإقليم.
ومنذ توليه الأمانة العامة، ارتبط اسم نصر الله بمراحل مفصلية في تاريخ الحزب والمنطقة، وبنى خلال سنوات قيادته صورة قائد ذي حضور استثنائي لدى أنصاره وخصومه على حد سواء. لذلك، لم يكن غيابه مجرد انتقال في قيادة حزب الله، بل حدثا ترك أثره في ذاكرة بيئته وفي المشهد السياسي والأمني اللبناني والإقليمي.
وبين ركام القرى وصور الرجل التي ما زالت حاضرة، يقف أبناء الجنوب أمام غياب يقرأه كل منهم بطريقته.
التعليقات (0)