لم تكن الحرب المشرعة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية على جبهات القتال، بل تحولت إلى معركة وجود يومية تدور رحاها داخل خيام النزوح المهترئة، حيث تقف المرأة الفلسطينية في خط الدفاع الأول لحماية أسرتها من الفناء، وفي ظل غياب المقومات الأساسية للحياة من مياه صالحة للشرب، وكهرباء، وغذاء، أصبحت خيام اللجوء الممتدة على طول القطاع ميادين إدارة يومية شاقة، تتولى فيها الماجدات الغزيات مسؤوليات تفوق القدرة البشرية على التحمل، ليعلنّ بصمودهن الأسطوري رفض الانكسار أمام سياسات التهجير والتجويع.
هذا التحول القسري في أدوار المرأة الغزية جاء نتيجة مباشرة للحصار الخانق والتدمير الممنهج للبنية التحتية، ما جعل المهام المنزلية البسيطة التي كانت تُنجز بضغطة زر في السابق، تستنزف اليوم ساعات من الجهد البدني الشاق، فمن تأمين قطرات الماء الشحيحة عبر قطع مسافات طويلة، إلى الطهي على نيران الحطب التي تنفث سمومها في صدور الأطفال، وصولاً إلى غسيل الملابس يدوياً ببدائل المنظفات الشحيحة، تقود المرأة في غزة ثورة تدبير يومي صامتة تعيد صياغة مفهوم التحدي في وجه الاحتلال.
ولا تقتصر تضحيات المرأة داخل المخيمات على الجانب المعيشي والتدبير المنزلي فحسب، بل تمتد لتشمل دور الحاضنة الطبية والنفسية لعائلات أثخنتها الجراح؛ إذ تحولت الخيام إلى مستشفيات ميدانية مصغرة تداوي فيها الأمهات والزوجات جراح المصابين، ويرعين ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى الذين قذفت بهم المستشفيات المدمرة إلى العراء، إن هذا الصمود المتكامل لا يعكس فقط قدرة المرأة على التكيف، بل يثبت أنها العمود الفقري للأسرة والمجتمع الفلسطيني، والصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات سحق الإرادة الوطنية. أخبار ذات صلة التعليم في غزة.. عودة من بين الركام بين قهر "العصر الحجري" وتحدي الصمود تدوير بقايا حرب إبادة غزة... أسلاك تحت الركام
وفي خضم هذه المعاناة المستمرة، يتجلى كبرياء المرأة الفلسطينية التي لم تترك مكانها في ميدان الواجب رغم فقدانها للمنزل والأمان والمحبين، لتصنع من تفاصيل اللجوء اليومية ملحمة صمود وتجذر في الأرض.
وتجلس الحاجة أم محمد، التي نزحت من شمال القطاع إلى خيام دير البلح، أمام موقد النار المصنوع من الطين وبقايا الركام، ووجها يلفحه لهيب الحطب والدخان المتصاعد الذي ترك أثره على ملامحها المتعبة ولحاف خيمتها، تصف أم محمد يومها بأنه رحلة شاقة تبدأ قبل شروق الشمس ولا تنتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، حيث تقضي الساعات الأولى في تنظيم وتوجيه أبنائها وأحفادها لجلب المياه في أوعية بلاستيكية صغيرة من نقاط التوزيع البعيدة، وهي عملية تتطلب صبراً طويلاً وطوابير تمتد لعدة ساعات من أجل الحصول على مياه غالباً ما تكون غير صالحة تماماً للاستخدام البشري.
وتضيف الحاجة في حديثها لـ"فلسطين الآن"، وهي تحرك بعصا خشبية وعاءً كبيراً يغلي فيه القليل من العدس والمواد المعلبة، أن الطهي على الحطب والكرتون وقطع البلاستيك أصبح الخيار الوحيد المتاح للبقاء على قيد الحياة في ظل المنع المطلق لدخول غاز الطهي، مؤكدة أن هذا البديل البدائي يحمل في طياته معاناة مضاعفة، فالأدخنة الكثيفة المنبعثة تسببت في إصابة أطفال العائلة بأمراض تنفسية حادة، فضلاً عن الجهد المضني في البحث اليومي بين الركام عن أي قطعة خشب أو كرتون تصلح للإيقاد، مما يجعل إعداد وجبة طعام واحدة يوماً كاملاً من الكفاح البدني والنفسي.
التعليقات (0)