الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
يصعب الحديث عن مشروع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ) من دون التوقف عند المفكر الفِلَسطيني الأمريكي الدكتور إدوارد سعيد ( 1935_ 2003 )، ليس لأن إبراهيم كان تلميذًا عربيًّا لسعيد، أو لأن مشروعه يمكن اختزاله في مفاهيم مِثل: الاستشراق، والخطاب الاستعماري. وإنما لأنَّ اللقاء معَ سعيد يقع في منطقة أعمق بكثير، وهي منطقة السؤال عن كيف تُنتج الثقافةُ صورتها عن نفسها والآخَرِ، وكيف تتحول المعرفةُ إلى سُلطة، وكيف يصبح الأدبُ جزءًا من تاريخ طويل من التمثيل والتسمية والتصنيف.
وهُنا تحديدًا تكمن أهمية سعيد بالنسبة إلى مشروع إبراهيم. لقد جاء سعيد إلى النقد الأدبي من باب مختلف عن الأبواب التي اعتاد النقدُ العربي الدخول منها. لم يكن الأدب عنده جزيرةً معزولة عن التاريخ، ولم يكن النص مجرد بنية لغوية مكتفية بذاتها، وإنما كان جزءًا من شبكة واسعة من المؤسسات والأفكار والسُّلطات والعلاقات السياسية والثقافية.
فَتَحَ سعيد أمام النقد العربي أفقًا جديدًا، ولم يسأل فقط: ماذا يقول النص؟، وإنما طَرَحَ أسئلةً مهمة: مَن يتكلم؟، ومَن يملك حقَّ تمثيل الآخَر؟، وما المعرفة التي يستند إليها هذا الكلام؟، وما العالَم الذي ساهمَ النصُّ في بنائه أو تثبيته؟. هذه الأسئلةُ هي الأعمدة التي يقوم عليها فكر سعيد. وإبراهيم اشتغلَ في هذا الأفق، لكنَّه لَم يعتمد على تكرار سعيد، وإعادةِ إنتاجه.
كان كتاب إدوارد سعيد " الاستشراق" الصادر بالإنجليزية عام 1978 لحظةً فاصلة في الدراسات الإنسانية. لم يكن الكتاب مجرد تاريخ للأفكار الأوروبية عن الشرق، وإنما محاولة للكشف عن منظومة معرفية وثقافية متشابكة أنتجت " الشرق" بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية.
سعيد لَم يقل ببساطة إن الغربيين كانوا يكتبون عن الشرق بصورة سلبية، المسألةُ عنده أكثر تعقيدًا، هناك مؤسسات، ورحلات، وكُتب، وأبحاث، وآداب، وخطابات سياسية، وتصورات تاريخية، كُلُّها ساهمتْ في تكوين صورة متماسكة نسبيًّا عن "الشرق" بوصفه آخَر مختلفًا عن الغرب.
التعليقات (0)