في لحظة سياسية وإنسانية بالغة التعقيد، جاءت الانتخابات البلدية الفلسطينية لعام 2026 لتكسر حالة جمود طال بها المقام، وتعيد -ولو جزئياً- الروح إلى مسار ديمقراطي متعطش للحياة. لم تكن هذه الانتخابات مجرد استحقاق محلي، بل حملت دلالات أعمق، تتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، خاصة مع إدراج مدينة دير البلح في قطاع غزة لأول مرة منذ ما يقارب عقدين من الزمن، في هذا الاستحقاق الانتخابي.
لقد مثّلت مشاركة مدينة دير البلح حدثاً استثنائياً بحد ذاته، إذ شكّلت أول تجربة اقتراع في قطاع غزة منذ عام 2006، في ظل واقع ميداني شديد التعقيد بفعل الحرب والدمار. هذه الخطوة، رغم محدوديتها الجغرافية، تعكس إرادة سياسية لإعادة وصل ما انقطع، سواء من السلطة الفلسطينية في رام الله أو إدارة غزة التي قدمت التسهيلات اللازمة وأمنت العملية الانتخابية، في رسالة واضحة بأن غزة جزء لا يتجزأ من أي مشروع سياسي فلسطيني وطني. وهو أمر إيجابي يمكن البناء عليه، لتجاوز المحنة التي تمر فيها القضية الوطنية، في ظل تغول ائتلاف اليمين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
باعتقادي النتيجة الأهم لهذه الانتخابات هي أن العملية الانتخابية جرت في بيئة تنافسية نسبياً، وسمحت بقياس أولي لاتجاهات الرأي العام، ولو ضمن هامش ضيق. لكن الوجه الآخر للصورة تمثل في نسب المشاركة المتدنية، خصوصاً في غزة، حيث لم تتجاوز نحو 22–23% في دير البلح، مقارنة بأكثر من 50% في الضفة الغربية. هذا التفاوت لا يمكن قراءته فقط كمؤشر على ضعف الحماسة السياسية، بل يعكس جملة من العوامل المركبة. سواء ما يتعلق بالواقع الإنساني الصعب في ظل استمرار انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، أو في تدني الثقة بالعملية السياسية برمتها، كنتيجة طبيعية لغياب تنافس حقيقي بين أقطاب الساحة السياسية منذ زمن طويل.
في غزة، يتقدم العامل الإنساني على ما سواه. فالمجتمع الذي أنهكته حرب الإبادة، ويكافح لتأمين احتياجاته الأساسية، يجد نفسه بعيداً عن الانخراط في عمليات سياسية قد تبدو -في نظر كثيرين- ترفاً مؤجلاً. إلى جانب ذلك، أسهمت سنوات الانقسام وفقدان الثقة بالمؤسسات، في تعزيز حالة العزوف، فضلاً عن غياب التعددية الكاملة نتيجة مقاطعة أو غياب قوى سياسية رئيسية.
أما في الضفة الغربية، فرغم ارتفاع نسبة المشاركة نسبياً، إلا أن وجود هيئات محلية فازت بالتزكية، أو غياب المنافسة في بعض المناطق، يعكس تحدياً آخر يتمثل في تآكل الحيوية الديمقراطية، وليس فقط في انخفاض الإقبال. ومع ذلك، فإن القراءة المتوازنة لهذه الانتخابات تفضي إلى استنتاج إيجابي: العملية الانتخابية، بكل ما شابها من نواقص، أعادت وضع الديمقراطية على جدول الأعمال الفلسطيني مجدداً. فهي ليست نهاية المسار، بل بدايته. كما جاء في عدة تقارير نقلاً عن مسؤولين في السلطة التي تتطلع هي الأخرى لاستكمال هذا المسار عبر انتخابات تشريعية ورئاسية شاملة، ضمن الاستجابة لدعوات الإصلاح السياسي وتجديد الشرعية التي طالب فيها مسؤولون دوليون في مناسبات عدة، خاصة من الاتحاد الأوروبي.
لذلك أعتقد بأن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات جديدة؛ بل في بناء بيئة سياسية وطنية تمثل الكل الفلسطيني وتكون قادرة على استعادة ثقة المواطن بالمسار الديمقراطي والمؤسسات الوطنية، مع عدم إغفال معالجة أسباب العزوف الأخرى بجدية، من خلال تحسين الأداء الخدمي للهيئات المحلية، وتعزيز الشفافية، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي كأداة للتغيير، لا مجرد إجراء شكلي يستدعى عند الحاجة.
💬 التعليقات (0)